يمكن فهم بقاء النظام الإيراني كأحد المرتكزات الجيوسياسية التي تعزز موقع روسيا ضمن الفضاء الاستراتيجي الممتد من القوقاز إلى شرق المتوسط. فبالنسبة لموسكو، لا تمثل إيران مجرد حليف ظرفي، بل تشكل عقدة جيواستراتيجية أساسية في شبكة النفوذ التي تسعى روسيا إلى تثبيتها في مواجهة الضغوط الغربية. وتكتسب هذه العلاقة أهمية أكبر عند قراءتها ضمن مفهوم الريملاند في الجيوبوليتيك السياسية، أي الحزام الساحلي المحيط بأوراسيا، والذي يُعد تاريخيًا المجال الأكثر حساسية في التنافس بين القوى الكبرى.
في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، يساهم التقارب الروسي-الإيراني في الحد من تمدد النفوذ الغربي وترسيخ توازنات جديدة في فضاء تعتبره موسكو حيويًا لأمنها القومي. فإيران تطل على بحر قزوين وتشرف على جزء من حدوده الجنوبية، ما يمنحها دورا مهما في معادلة الطاقة في المنطقة. ويعد هذا البحر أحد أهم خزانات النفط والغاز في أوراسيا، لذلك فإن استمرار النظام الإيراني يساهم في منع تحول هذه المنطقة إلى مجال نفوذ غربي كامل. أما في حال سقوطه، فقد ينفتح المجال أمام الولايات المتحدة لتوسيع حضورها في محيط بحر قزوين، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرا للمصالح الروسية.
وتزداد حساسية هذه المعادلة في ظل التحولات الجارية في جنوب القوقاز. فالعلاقات المتنامية بين الولايات المتحدة وأرمينيا، بما في ذلك اتفاقيات التعاون النووي المدني والاتفاقيات العسكرية، قد تحدّ تدريجيًا من النفوذ الروسي التقليدي في يريفان. وفي الوقت نفسه، يعزز التقارب بين أذربيجان والغرب، إضافة إلى مشاريع الممرات الإقليمية مثل ممر زنغزور، من احتمالات إعادة تشكيل شبكات العبور في المنطقة بما يخدم مصالح الغرب والولايات المتحدة الأميريكية. وإذا تزامن ذلك مع تراجع الدور الإيراني، فقد تجد روسيا نفسها أمام طوق جيوسياسي وجيواقتصادي يحدّ من قدرتها على التأثير في جنوب القوقاز.
أما في شرق المتوسط، فتحتفظ روسيا بحضور عسكري مباشر عبر قواعدها في طرطوس وحميميم في سوريا، ما يضمن لها منفذًا دائمًا إلى المياه الدافئة. غير أن المعادلة الإقليمية لا تقتصر على الوجود العسكري المباشر، بل تشمل شبكة من الفاعلين المحليين المتداخلين في موازين القوى. ففي لبنان، يمثل حزب الله أحد العوامل المؤثرة في التوازنات الإقليمية، إذ يحدّ من إمكانية السيطرة الغربية الكاملة على السواحل والموانئ الاستراتيجية في شرق المتوسط، وهو ما ينسجم مع المصالح الروسية في الحفاظ على تعددية النفوذ في المنطقة.
كما تحتل إيران موقعًا بالغ الأهمية في معادلة الممرات البحرية العالمية، خصوصًا عبر إشرافها على مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. ويشكل هذا المضيق، إلى جانب نقاط الاختناق البحرية الأخرى مثل قناة السويس ومضيق جبل طارق، عنصرًا أساسيًا في التحكم بالتجارة والطاقة الدوليتين. ومن هذا المنظور، فإن بقاء النظام الإيراني يساهم في الحفاظ على توازن قوى إقليمي يمنع الهيمنة الكاملة لقوة واحدة على هذه الممرات الحيوية.
في ضوء ذلك، يمكن فهم الدعم الروسي لإيران ضمن إطار أوسع يتصل بإدارة التوازنات في نطاق الريملاند الأوراسي. فإيران تشكل حلقة أساسية تربط بين القوقاز وآسيا الوسطى والخليج وشرق المتوسط، ما يجعلها عنصرًا مهمًا في منظومة النفوذ التي تحاول موسكو الحفاظ عليها. ولذلك، فإن فقدان هذا الحليف قد يفتح المجال أمام فراغ جيوسياسي يسمح بتوسع النفوذ الغربي وإعادة تشكيل ممرات الطاقة والتجارة بطريقة تقلص من دور روسيا في هذه المناطق الحيوية.
وبناءً عليه، لا يبدو التحالف الروسي-الإيراني مجرد تقارب سياسي عابر، بل يمثل جزءا من معادلة استراتيجية أعمق ترتبط بالتنافس على السيطرة أو التأثير في الحزام الجيوسياسي المحيط بأوراسيا. ومن هذا المنظور، فإن استمرار النظام الإيراني يظل بالنسبة لموسكو عاملًا مهمًا في الحفاظ على توازن القوى داخل الريملاند ومنع تحول هذا المجال الحيوي إلى نطاق نفوذ غربي كامل.
