يُستخدم مصطلح «البلقنة» في الأدبيات الجيوسياسية للدلالة على تفكك الدول متعددة القوميات أو الطوائف إلى كيانات أصغر متنافسة، غالبًا على أسس عرقية أو دينية أو مذهبية. وقد استُمد هذا المفهوم من تجربة منطقة البلقان، ولا سيما بعد تفكك يوغوسلافيا في تسعينيات القرن العشرين، حين أدى انهيار الدولة الاتحادية إلى نشوء عدد من الدول القومية الصغيرة. ومنذ ذلك الحين أصبح المصطلح يُستخدم في التحليل السياسي لوصف سيناريوهات محتملة لتفكك دول أخرى تعاني تعددية هوياتية أو ضعفًا في البنية الوطنية الجامعة.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ظهرت جمهوريات مستقلة في القوقاز وآسيا الوسطى، الأمر الذي عزز النقاشات الأكاديمية حول قابلية الدول متعددة القوميات للتفكك في حال تراجعت سلطة الدولة المركزية. وفي هذا السياق تناول عدد من المنظرين الاستراتيجيين أهمية الفضاء الأوراسي في التوازن الدولي، ومن أبرزهم زبيغنيو بريجنسكي الذي ركّز في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى على مركزية أوراسيا في الصراع على النفوذ العالمي. ورغم أن أطروحاته لم تتضمن دعوة صريحة إلى تفكيك الدول، فإن بعض القراءات السياسية ربطت بين استراتيجيات إدارة النفوذ الدولي وبين احتمال استثمار الانقسامات الداخلية داخل الدول المنافسة.
في الشرق الأوسط، ازدادت النقاشات حول إعادة تشكيل البنية السياسية للدول بعد غزو العراق عام 2003، حيث أُعيد تشكيل النظام السياسي وفق توازنات طائفية وإثنية، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى الحديث عن «عرقنة» أو «لبننة» الدولة، أي تنظيم المجال السياسي على أساس الانتماءات الهوياتية بدل الهوية الوطنية الجامعة. كما تعزز هذا النقاش مع تداعيات الربيع العربي التي كشفت هشاشة البنى السياسية في عدد من دول المنطقة، وأظهرت كيف يمكن أن تتحول التعددية المذهبية أو القومية إلى عامل انقسام حاد عندما تضعف مؤسسات الدولة المركزية.
في هذا السياق برزت مفاهيم سياسية مثل «الشرق الأوسط الجديد» و«الشرق الأوسط الكبير»، وهما مصطلحان ارتبطا بنقاشات حول إعادة تشكيل البنية السياسية والجيوسياسية للمنطقة. وقد طُرح مفهوم «الشرق الأوسط الكبير» في مطلع الألفية الثالثة ضمن مقاربات سياسية هدفت إلى إعادة هيكلة المجال السياسي والاقتصادي في المنطقة الممتدة من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى. غير أن هذه الطروحات أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط الأكاديمية والسياسية في المنطقة، إذ رأت بعض القراءات النقدية أنها قد تتقاطع مع تصورات جيوسياسية تقوم على إعادة رسم خرائط المنطقة أو إعادة تنظيمها وفق خطوط عرقية أو مذهبية، بما ينسجم مع منطق «البلقنة».
ضمن هذا الإطار التحليلي تُطرح أحيانًا فرضية تطبيق سيناريو البلقنة على إيران، نظرًا لبنيتها السكانية المتعددة القوميات. فإلى جانب الأغلبية الفارسية تضم إيران جماعات قومية أخرى مثل الأكراد والأذريين والبلوش والعرب الأهوازيين واللور. وترى بعض الأدبيات السياسية أن هذه التعددية قد تتحول إلى عامل قابل للاستثمار في الصراعات الجيوسياسية إذا ما ترافقت مع ضغوط خارجية أو أزمات داخلية عميقة.
وتبرز المسألة الكردية تحديدًا في هذا السياق بسبب طابعها العابر للحدود، إذ ينتشر الأكراد في تركيا والعراق وسوريا وإيران. وقد أدى قيام تجربة حكم ذاتي في إقليم كردستان العراق إلى إحياء النقاش حول إمكانية تطور هذه التجربة نحو دولة كردية مستقلة، غير أن تحقيق مثل هذا السيناريو يواجه عقبات سياسية وجيوسياسية معقدة.
مع ذلك تشير معظم الدراسات إلى أن تفكك الدول متعددة القوميات لا يعتمد فقط على الضغوط الخارجية، بل يرتبط أساسًا بمدى تماسك البنية الوطنية الداخلية وقوة مؤسسات الدولة. وفي حالة إيران ما زالت الدولة المركزية تحتفظ بقدرة مؤسسية وأمنية متماسكة. كما أن التداخل التاريخي والاجتماعي بين القوميات المختلفة أسهم في تعزيز مستوى من الاندماج الوطني.
وعليه تبقى فرضية «بلقنة إيران» ضمن إطار السيناريوهات التحليلية في الأدبيات الجيوسياسية أكثر منها مسارًا حتميًا، إذ إن تحققها يرتبط بتفاعل معقد بين العوامل الداخلية مثل الاستقرار السياسي والاقتصادي والهوية الوطنية، والعوامل الخارجية المرتبطة بالصراعات الإقليمية والدولية، في ظل استمرار النقاشات حول مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
