لماذا بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الحرب ضد إيران، السؤال المهم طرحته اليوم صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها، منتقدة بشدة قرار الحرب غير المقنع والذي لم يمر بمجلس الشيوخ على حد تعبيرها محذرة من النتائج، والذي جاء في أوج المفاوضات الأميركية الإيرانية وما تم بثه في خلالها من أجواء تفاؤل..
سؤال لماذا بدأ ترامب الحرب مهم، لكن الأهم هو معرفة كيف ومتى ستنتهي هذه الحرب التي بدأت بمحاولة اغتيال كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، وباستهداف منصات صواريخ باليستية، إضافة الى استهداف الجيش الإسرائيلي مناطق حدودية إيرانية لتشجيع عناصر معارضة إيرانية لاحقا ربما على الانضمام الى محاولة اسقاط النظام الإيراني من الداخل.
ترامب اختار بدقة وقت المعركة، فهو كما في المرة الماضية، غرّر بالإيرانيين عبر ايهامهم بأنه مستمر بالعملية التفاوضية، واختار يوم السبت كي ينجو من المرور بالكونغرس، وبهذا التغرير استطاع مع إسرائيل أن يحقق بعض المفاجأة العسكرية أثناء اجتماع قادة إيرانيين، قتل الكثير منهم وفق إسرائيل، أو اثنين فقط وفق اعتراف وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي .
لكن ماذا بعد؟
ربما من السابق لأوانه توقّع مآلات الأمور الآن، فالحرب ما زالت في بدايتها رغم أن شظاياها طاولت معظم دول المنطقة في يومها الأول، وإذا كان الهدف هو اسقاط النظام الإيراني الذي كال ترامب ضده كل الاتهامات في الساعات الماضية، فهذا يعني أن إيران سوف تستخدم كل قدراتها الصاروخية دفاعا عن النظام. وإذا استطاعت إيران امتصاص الضربات الأولى في الأيام الأولى لهذه الحرب، فهذا سيدفع ترامب ونتنياهو لرفع مستوى الهجمات بغية حسم الحرب سريعا، لان إطالة أمد الحرب ستنعكس سلبا عبر الداخل الأميركي على ترامب نفسه.
إيران وفق الناطق باسم خارجيتها يعتبر ان في الأمر حربا وليس مجرد معركة، لكنها تُدرك أيضا أن امكانياتها العسكرية مهما كانت عالية، لن تستطيع في نهاية المطاف مواجهة الآلة العسكرية الضخمة للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ولذلك أطل عراقجي من تحت القصف ودخان المعارك للقول في تصريح يحمل رسائل عديدة أبرزها أن إيران على استعداد للتوصل الى اتفاق يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني، وقال نحن مهتمون بالتهدئة ويجب إيقاف الهجمات أولا وبعدها يصبح الحدث ممكن.
لكن هل الرئيس الأميركي يريد فعلا العودة الى المفاوضات حتى لو تخلت إيران عن كل برنامجها النووي، وهل إيران نفسها تستطيع أن تثق بعد اليوم بالمفاوضات بعد أن خدعها ترامب مرتين وهو الذي خرج أصلا من الاتفاق النووي وهو الذي هاجمها اثني عشر يوما وهو الذي قتل أهم قائد عسكري سياسي فيها سابقا الجنرال قاسم سليماني. الواضح أننا أمام مرحلة مختلفة ومعقدة وغير معروفة النتائج,
دول عديدة في الواقع سارعت اليوم الى طلب جلسة عاجلة لمجلس الأمن ودعت للعودة الى المفاوضات. غير أن ما يريده الرئيس الأميركي ونتنياهو هو استسلام إيران بالحرب بعد ان رفضت الاستسلام بالمفاوضات، ولو أراد التفاوض لما انسحب منها وذهب صوب خيار الحرب.
يُراد من إيران اليوم ما أريد من حماس وحزب الله، أي القبول بتسليم البرنامج النووي والسلاح الباليستي والاستسلام الكامل دون أي مقابل ، ويرى نتنياهو أنه بعد أن وجه ضربات قاصمة لحلفاء إيران في المنطقة، لا بُد من استكمال المعركة لضرب الرأس…وهذه صارت على ما يبدو قناعة ترامب نفسه الذي كان يقال إنه يختلف مع نتنياهو بشأن الأهداف.
لذلك، وإذا لم تنجح جهود وقف إطلاق النار قريبا، وهي على ما يبدو لن تنجح، فإنَّ كلَّ طرف سيستخدم أقصى ما يستطيع في هذه الحرب الوجودية بالنسبة لإيران وإسرائيل ولكن أيضا لمستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحزبه قبيل الانتخابات النصفية المقبلة أواخر العام الحالي.
إيران تهدد بالكشف عن صواريخ لم تستخدمها سابقا، وبدأت بإغلاق مضيق هرمز ووسعت قصفها اليوم ضد القواعد الأميركية في الخليج ووجهت صواريخها الى إسرائيل، ولا شك في أن ترامب ونتنياهو سيرفعان مستوى ونوعية القصف في الساعات والأيام القليلة المقبلة…
ولو استطاعت إيران تهديد إسرائيل فعليا أو القوات الأميركية في المنطقة أو تهديد دول مجاورة، فمن غير المستبعد ان تنضم دول أخرى الى التحالف الأميركي الإسرائيلي، فهذا مثلا المستشار الألماني يحمل طهران المسؤولية ويقول إن واشنطن سعت للتوصل الى اتفاق شامل مع إيران لكنها رفضت ذلك.
نحن إذا أمام ساعات وربما أيام وأسابيع خطيرة جدا، وما لم يتم حسن هذه الحرب سريعا أو اقناع الأطراف بوقفها، فهي حتما ستتوسع إلى أطراف أخرى من حلفاء إيران وحلفاء واشنطن وتل أبيب.
لقد أشعل فتيل التفجير الكبير، ولا ندري كيف وأين ستمتد شظاياه وكوارثه في حرب الوجود هذه ، لكن الذي نعرفه حتما أن الساعات والأيام المقبلة تشي بالأسوأ والأخطر.
