سامي كليب:في الثاني والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب: إن الضربات الجوية الأميركية دمَّرت بشكل تام وكامل المنشآت النووية الإيرانية المستهدَفة. وفي شهر أيلول/ سبتمبر قال نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن الجيش الإسرائيلي “سيطر على سماء إيران”، وإن الطيارين الإسرائيليين “قصفوا مواقع تخصيب اليورانيوم هناك”، مضيفاً أنّ تل أبيب “تخلّصت من تهديد وجودي”، ولا يجوز السماح لطهران بإعادة بناء قدراتها النووية.
إذا كان ترمب ونتنياهو قد أكدا إذا تدمير البرنامج النووي الإيراني، فعلامَ تتفاوض واشنطن مع طهران في جنيف اليوم بوساطة عُمانية؟ هذا في الواقع يفترض ثلاثة احتمالات: إما إيران نجحت في تجديد برنامجها النووي بسرعة قياسية، وهذا مستحيل، أو أن الجانبين لم يدمرا البرنامج النووي كما أعلنا، أو أن البرنامج النووي برمته يجري تضخيمه لتحقيق مطالب أخرى بالتوازي مع هذه الحملة العسكرية الهائلة التي تطوق إيران بغية الحصول منها على تنازلات تشبه الاستسلام، وتغيير طبيعة النظام أو إسقاطه.
لكن دعونا نطرح الليلة الأسئلة الأعمق بانتظار ما ستؤول إليه مفاوضات جنيف:
هل إيران شارفت فعلا على إنتاج قنبلة نووية، فالرئيس ترمب برر كل هذه الحشود العسكرية بأنه يريد منع إيران من إنتاج سلاح نووي. وصدرت تسريبات كثيرة تقول إن إيران باتت فعلا على أعتاب إنتاج هذا السلاح؟
ثم إذا كانت إيران تقول إنها فقهيا وأخلاقيا وإنسانيّا لا يمكنها إنتاج سلاح نووي، فما هي حقيقة ما قاله الجيش الإسرائيلي قبل قصفها إن إيران تمتلك ما يكفي من اليورانيوم لتحويلها إلى أسلحة نووية، أي ما يكفي لصنع 15 سلاحًا نوويًا خلال أيام فقط؟ فهذا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤكد في آخر تصريح له أن مرشد الثورة الاسلامية علي خامنئي كان قد أفتى بتحريم أسلحة الدمار الشامل، وهو ما يعني “بشكل قاطع أن طهران لن تصنع أسلحة نووية، وفق بزشكيان.
ثم هل هذه القدرات النووية الايرانية التي تؤكد أنها لاستخدامات سلمية، جاءت من بنات أفكار طهران وعبقرية علمائها كما تقول، أم أن دولا عديدة ساعدتها وبينها كوريا الشمالية والصين وغيرهما.
ولو كانت إيران طورت فعلا العلوم النووية، بينما نجحت إسرائيل في قتل عدد كبير من العلماء الإيرانيين، ما هي قدرات إيران على المناورة على الضغوط الأميركية والإسرائيلية والغربية للاحتفاظ بما تعتبره إنجازا علميا كبيرا. وكيف نجحت في إخفاء كل هذا التطور النووي عن عيون مراقبي الوكالة الدولية؟ وهل تضحي اليوم في جنيف بهذا الإنجاز تجنبا للحرب فحسب أم بسبب حاجتها إلى رفع العقوبات الاقتصادية عنها والتي خنقت فعليا هذا الاقتصاد وقتلت العملة الإيرانية وأثارت انتفاضات عديدة ضد النظام.
ثم ماذا عن واشنطن ؟ أهي مستعدة فعلا لرفع العقوبات، ما يسمح بإعادة تعويم النظام الإيراني اقتصاديا، وبدعم حلفائه في المنطقة، بينما إسرائيل وواشنطن تعتبران أن الفرصة مؤاتية الآن بعد ضرب حلفاء إيران وخنقها اقتصاديا وقتل مجموعة من علمائها وتدمير قسم كبير من منشآتها لاستكمال القضاء على النظام أو لإضعافه بحيث ينهار بعوامل داخلية؟
والسؤال الذي يفرض نفسه أيضا في هذه المعمعة، لماذا كل هذا التركيز على إيران التي يُشتبه في أنها تخصب اليورانيوم بنسبة كبيرة لإنتاج سلاح، بينما لا أحد يجروء في المجتمع الدولي على قول كلمة واحدة حيال الترسانة النووية الإسرائيلية المؤكدة؟ هل يحق لإسرائيل ما لا يحق لغيرها من دول المنطقة؟
الواضح أن المسألة هذه المرة تتعدى البرنامج النووي الإيراني لتطال جوهر النظام وتوجهاته ومستقبله في منطقة يجري إعادة رسم خرائطها بدقة من إسرائيل حتى الهند… ولذلك فنحن في وضع يكاد يشبه مرحلة تضخيم الجيش العراقي قبيل اجتياح العراق. فهل ينجح المفاوض الإيراني في وأد قضية النووي أم تتقدم الأساطيل العسكرية لتطحن الدبلوماسية والمفاوضات؟
