سامي كليب
قد تكفي محادثة عابرة مع شخص في حياتنا العابرة حتى تكتشف ، أن كنزًا من الإبداع والإنسانية يجاورك ولم تنتبه ، وأنَّ بابًا لعوالم متنوعة يفتح لك فجأة فتسير في دهاليزها دون ان تصل إلى شئ محدّد لكنك تأنس السير فحسب.
تعرّفت على الروائي والقاص المصري محمد البُرمي في غرفة أخبار قناة الغد التي جمعتنا منذ نحو عامين، كنا نتبادل التحية وابتسامات الود دون توسيع أفق المحادثة، فغرف الأخبار تلتهم الزمن وتمضي وقتك في ملاحقة عبثية للمستجدات ، هي تنتهي بينما انت تستمر بملاحقة غيرها في عبثية أكبر . يحرمنا ذلك من تعميق صداقاتنا مع زملاء قد يكون بينهم مبدعون اضطرّتهم ظروف حياتهم لملاحقة الأخبار بينما هم مرصودون لإغناء مكتبتنا الأدبية والإنسانية بمؤلفات استنثنائية.
تبادلنا الزميل محمد البُرمي وأنا آخر كتابين لنا، فأهداني روايته الحاملة عنوانا لافتًا ” الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى” واهديته حبّي لمصر مصاغًا بنصٍ في كتابٍ جماعي شاركت بالإشراف عليه بعنوان ” الرسائل المصريّة” .

منذ الصفحة الأولى يقول بطل الرواية ” أنا اكتب… لأنني لم أسامح أبي، لا أعرف الداعي، فما فسد قد فسد فعلاً” ثم يضيف :” قال لي يومًا وهو يوصيني : ” لا تدع نفسَك تفسد. يذهب الناس ويعودون. قتل قابيل هابيل. كان يمكن لهابيل أن يقتل قابيل لو توافرت الأسباب أو الرغبة. كان لإخوة يوسف أسباب لكراهيته فألقوه في الجبّ، كان لإخوتي كلُّ الأسباب ليحبوني، لكنهم على الرغم من هذا اختاروا كرهي” .
في الرواية التي تعتمد السياسة والصحافة والموروثات والدين ( الذي انحرف بعض مدّعيه من الصوفية إلى افكار التطرف) سبيلا للتعمق في بوهيمية الحياة وكذلك لرصد ذلك الصراع الدائم بين المصالح والمبادئ، وبين عمق المشاعر والوقف في منتصف الحب والزواج والأخلاق كالساقط من مركبة فضائية عالقًا بين الفضاء والأرض، يبدع محمد البُرمي في سبر أغوار الكثير من تعقيدات حياتنا العابرة باسلوبه السلس واللطيف ولغته المتينة دون مغالاة أو تقعير ، تماما كما يبدع بتقديم نظرته للحياة والبشر والبطولات الوهمية والثورات التي سرعان ما تفقد معناها، فيميط اللثام عن حقيقة جاثمة دومًا أمامنا ولا نريد أن نراها، ومفادها أن الحمقى والانتهازيين وبائعي المبادئ يحصدون النياشين، بينما الناس الطيبون الذين يختزنون في قلوبهم كلّ الحبّ ويحافظون على شرف المبادئ مثل سائقة سيارة الأجرة رباب يضيعون دون أثر .
لا لوم ولا عتاب في الرواية، لا للآخر ولا للذات، بل هو نظرة عميقة لما آل إليه حالنا نحن البشر في عصر المصالح وضبابية المشاعر وتعقيدات الحب والزواج والعلاقات الإنسانية .
في هذه الرواية التي تتسلل الى مسام القلب سريعًا، نقرأ حِكٓمًا تختصر بعبارات عميقة الكثير من تعقيدات الحياة وتقلباتها وكيفية التصرف حيالها : ” كم نسخة منك تحتاج أن تستنسخ لتعيش ، لا اعتقد أن الإنسان يستطيع العيش بنسخة واحدة. هذا ما صرت أًومن به، لذلك أحب عادةً خلق شخصيات أخرى قادرة على التكيُّف مع الحياة ” أو :” لا يدرك الإنسان حقيقة الأشياء من حوله الاّ في المصائب ” أو :” لا صداقات في الحياة بل أشياء نستخدمها” …
رباب كانت ترمي نفسها في مياه النيل ثم ينقذونها وهي تحب ان ينقذوها لأنها محبة للحياة والفرح حتى ولو انها عانت من والدها ومن معظم الرجال من سوء المعاملة….. ( بشكل عام الام والحبيبة والزميلة في الرواية افضل من الرجال ، لا ادري إذا كان الامر مقصودا لكنه محمود ).
كل منّا يبحث عن وسيلة في هذه الحياة العابرة كي يعيشها بفرح وكرامة ويستطيع محو خطاياه، وكل منا يتحول قلبه إلى قطار يستقله كثير من العابرين فإما تلتقي بينهم بصنو روحك وتكتشف الحب الحقيقي وسر فرح الحياة وتحفظ مبادئك، أو يأخذك نهر الحياة حيث لا تريد.
رواية ” الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى” الصادرة عن “دار الشروق” العريقة، نشيد آخر ومُختلف للحياة يستحق الاستماع اليه باهتمام وصمت وعمق .
محمد البرمي صحفي وروائي وقاص، حاز على جوائز عديدة بينها جائزة ساويرس الثقافية ٢٠٢٢ عن مجموعته القصصية بعنوان :” للمحبين والأوغاد وقطّاع الطرق ” ووصلت مجموعته الثانية “يجذب المعادن ويحب الكلاب” الى القائمة القصيرة للجائزة نفسها في العام ٢٠٢٣ وصدر له كتاب ” كل شيء أو لا شئ -عن الكرة وأحلام غرف الملابس” وقبل قناة الغد كان مديرا لتحرير موقع “المصري اليوم ” ومدير تحرير صحيفة “عاجل” السعودية .
