في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الدبلوماسية مع شحّ الموارد، دعت مصر دول حوض النيل إلى تغليب التعاون والتمسك بروح الأخوّة ورفض الإجراءات الأحادية، معلنة عن آلية تمويل جديدة بقيمة مبدئية تبلغ 100 مليون دولار لدعم مشروعات السدود في دول الحوض الجنوبي، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وتنموية تتجاوز بعدها الفني.
وجاء الموقف المصري على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقائه، الاثنين، الرئيس الكيني ويليام روتو في نيروبي، حيث شدد على أهمية إعادة الاعتبار للتوافق والشمولية داخل منظومة حوض النيل، باعتبارهما المدخل الوحيد لتحقيق المنفعة المشتركة بين دول المنبع والمصب.
وحمل عبد العاطي رسالة خطية من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نظيره الكيني، تضمنت إشادة بتطور العلاقات الثنائية وارتقائها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، عقب توقيع «إعلان القاهرة» خلال زيارة روتو إلى القاهرة نهاية يناير الماضي، في مؤشر على اتساع مساحة التنسيق السياسي بين البلدين.
على المسار التنموي، كشف وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم عن آلية التمويل الجديدة، موضحًا أنها مخصصة لدعم دراسات وتنفيذ مشروعات السدود في دول حوض النيل الجنوبي، وتشمل حفر الآبار الجوفية، وإنشاء سدود لحصاد مياه الأمطار، وتطوير نظم الري الحديثة، إلى جانب برامج بناء القدرات والتدريب، مرحبًا بدعم المشروعات الكينية من خلال هذه المبادرة.
وأكد سويلم أن الحفاظ على مبادرة حوض النيل بوصفها «الإطار الجامع» لدول الحوض يظل ضرورة استراتيجية، مستشهدًا بتجارب دولية ناجحة تُظهر أن إدارة الأنهار العابرة للحدود لا تستقيم إلا عبر أطر تعاونية تحترم قواعد القانون الدولي للمياه وتراعي شواغل جميع الأطراف.
وتأتي هذه التحركات المصرية في ظل أزمة مائية متجذرة تتمحور حول سد النهضة الإثيوبي، المشيَّد على النيل الأزرق منذ عام 2011، والذي ترى القاهرة والخرطوم أنه يمسّ أمنهما المائي في غياب اتفاق قانوني ملزم بشأن الملء والتشغيل، بينما تؤكد إثيوبيا أن المشروع حق سيادي ولا يسبب ضررًا لدول المصب.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار الخلاف حول اتفاقية «عنتيبي» الإطارية، التي وقّعت عليها عدة دول من حوض النيل، وسط رفض مصري سوداني باعتبارها لا تراعي الاتفاقيات التاريخية المنظمة لتقاسم المياه.
بين الدعوة إلى الشراكة وإطلاق أدوات تمويل جديدة، ترسم القاهرة مقاربة مزدوجة تقوم على مدّ جسور التنمية من جهة، والتمسك بثوابت الأمن المائي من جهة أخرى، في محاولة لإعادة ضبط توازن دقيق طالما شكّل نهر النيل قلبه النابض.
