في ختام أعمال القمة الأفريقية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا الاحد ، بدا واضحاً أن القادة الأفارقة لا يريدون أن تكون اجتماعاتهم مجرد طقس بروتوكولي معتاد، بل محطة لإعادة تعريف موقع القارة في عالم يزداد اضطراباً. الرسائل التي خرجت من القمة تمحورت حول السلام والتنمية، لكنها ذهبت أبعد من ذلك إلى طرح سؤال جوهري: كيف يمكن لأفريقيا أن تتكلم بصوت واحد وتفرض حضورها في النظام الدولي؟
رئيس الاتحاد الأفريقي ورئيس بوروندي إيفاريست نداييشيمي لم يُخفِ قلقه من استمرار النزاعات المسلحة التي تستنزف طاقات القارة وتعرقل مسار التنمية. وأكد أن إسكات صوت السلاح لم يعد شعاراً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لأي تحول اقتصادي أو اجتماعي حقيقي، مشدداً على ضرورة بناء اتحاد أفريقي أكثر فاعلية وقرباً من هموم المواطنين، وقادراً على التعبير عن تطلعاتهم في المحافل الدولية.
وفي هذا السياق، أعاد نداييشيمي التأكيد على مركزية أجندة 2063 بوصفها الإطار الاستراتيجي لمستقبل القارة، داعياً إلى تحويل الزراعة إلى رافعة تنموية، وتسريع الاستثمار في البنية التحتية والابتكار، وتمكين الشباب والمرأة باعتبارهم القوة الدافعة لأي تحول هيكلي مستدام. كما شدد على أن القضايا الكبرى، من الأمن الغذائي إلى التغير المناخي والتحول الرقمي، لا يمكن مواجهتها إلا بعمل جماعي أفريقي منسق.
من جانبه، أوضح رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف أن القمة مثلت محاولة جادة لتغيير منهجية العمل داخل الاتحاد، عبر تقليص زمن الاجتماعات والتركيز على الملفات الاستراتيجية. وأشار إلى أن النقاشات شملت إصلاح منظومة الحوكمة العالمية، وفي مقدمتها ملف مجلس الأمن الدولي، حيث جدد القادة مطالبتهم بتمثيل أفريقي أكثر إنصافاً، يشمل مقعدين دائمين بحق النقض وخمسة مقاعد غير دائمة.
ولم تقتصر أعمال القمة على البيانات السياسية، إذ رافقتها لقاءات جانبية ناقشت قضايا المياه والصرف الصحي، وتعزيز الأنظمة الصحية، إلى جانب منتدى أعمال ركز على إشراك القطاع الخاص في تمويل برامج التنمية. وفي بعده السياسي، أكد الاتحاد الأفريقي رفضه القاطع لأي تغييرات غير دستورية في الحكم، واعتبر الاستعمار جريمة ضد الإنسانية، مجدداً تضامنه مع الشعب الفلسطيني ودعمه لحقه في إقامة دولته المستقلة.
هكذا، أسدلت القمة ستارها على رسائل متعددة الاتجاهات، عنوانها العريض أن أفريقيا لم تعد تكتفي بدور المتلقي، بل تسعى إلى إعادة صياغة مكانتها، والدفاع عن مصالحها، وبناء مستقبل يتوازن فيه السلام مع التنمية، والطموح مع الواقعية.
