يصل وزير الداخلية الفرنسية لوران نونيز الاثنين المقبل الى الجزائر في خطوة لافتة حملت تراجعا فرنسيا عن شروط باريس السابقة. ويلتقي ، وزير داخليتها سعيد سعيود من أجل مناقشة كافة الملفات العالقة بين البلدين، وأهمها ملف إعادة المهاجرين الجزائريين غير النظاميين والذين صدرت بحقهم أحكامًا بمغادرة الأراضي الفرنسية، وكذلك التعاون الاستخباراتي بين الجهازين من أجل مكافحة الإرهاب، وأخيرًا سيطلب الوزير الفرنسي إطلاق سراح الصحافي الفرنسي المعتقل منذ أشهر، والذي حُكم عليه بالسجن سبع سنوات، والذي نُقل في الأسابيع الأخيرة إلى أحد سجون العاصمة الجزائرية بعد لقائه الوزيرة الفرنسية السابقة سيغولين رويال، والتي طلبت ذلك من وزير العدل ووافق على طلبها.
زيارة الوزير الفرنسي، والتي أعلن عن نيته القيام بها عدة مرات منذ توليه الوزارة، جاءت بالتأكيد بعد الزيارة الناجحة التي قامت بها الوزيرة السابقة سيغولين رويال، رئيسة جمعية الصداقة الفرنسية الجزائرية، والتي لاقت ترحيبًا مميزًا واستقبلها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وطالبت بإعادة بناء الصداقة بين فرنسا والجزائر، مؤكدة أن الرئيس تبون يريد الحوار بين البلدين أن يكون قائمًا على الاحترام والتقدير المتبادلين، مضيفة أن الخطوة الأولى التي يجب على فرنسا القيام بها هي إعادة الممتلكات الثقافية والأرشيف، وأيضًا رفات الشهداء المحفوظة في متاحف فرنسا، زيادة على أرشيف ملف التجارب النووية في الصحراء الجزائرية، والتي تمر ذكراها الستين في مثل هذه الأيام.
العلاقات الفرنسية الجزائرية شهدت تطورات دراماتيكية منذ صيف 2024، عقب تصريح للرئيس الفرنسي ماكرون بخصوص اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، خلافًا لمواقفها السابقة المحايدة بين الموقف المغربي الذي يطالب بالسيادة المغربية على الصحراء، وموقف الجزائر الداعم لحق تقرير المصير وإجراء استفتاء بإشراف الأمم المتحدة يحدد مصير هذه المنطقة الحدودية بين الجزائر والمغرب، والغنية بالموارد الطبيعية من حديد وفوسفات، والتي يمكن أن تؤمن في حال فض النزاع ممرًا جزائريًا بريًا نحو الأطلسي. ولكن إضافة إلى هذا الاعتراف، جاءت التصريحات المتتالية لوزير الداخلية الفرنسي آنذاك برونو روتايو المعادية للجزائر، والمطالِبة بطرد كل المهاجرين المتواجدين على الأراضي الفرنسية، إضافة إلى إلغاء اتفاق الهجرة الموقع بين البلدين عام 1968، والذي ينظم حركة تنقل الجزائريين نحو فرنسا، معتبرًا أنه غير متكافئ، إضافة إلى مطالبته آنذاك بإطلاق سراح الكاتب الجزائري الذي تحصل منذ مدة بسيطة على الجنسية الفرنسية بوعلام صنصال، إضافة إلى الصحفي الرياضي كريستوف غليز. وفي تلك الفترة حتى داخل بعض الإعلام الفرنسي كانوا يعتبرون تصريحاته المتشددة والغريبة من مواقف اليمين المتطرف لها علاقة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة، وهذا ما يمكن تأكيده اليوم بعد ما أعلن عن ترشحه لها منذ أيام.
زيارة الوزير الفرنسي لن تكون سهلة وغير مضمونة النتائج، فكما للوزير الفرنسي طلب بإطلاق سراح الصحفي الفرنسي والبدء بالسماح بعودة المهاجرين الجزائريين المحكوم عليهم بالطرد، يمكن أن يكون للجزائر مطالب أيضًا لها علاقة بتسليم فرنسي لبعض المعارضين الجزائريين المقيمين على أرضها، وخاصة الذين حكمت عليهم المحاكم الجزائرية بالإرهاب وتمويله، مثل فرحات مهني رئيس حركة الماك التي صنفتها الجزائر منظمة إرهابية، وقدم التلفزيون الجزائري الرسمي منذ فترة تحقيقًا يتضمن اعترافات لبعض الجزائريين الذين كانوا أعضاء فيها، إضافة إلى بعض المعارضين الذين يستغلون منصات التواصل الاجتماعي لبث أخبار ضد الجزائر ومسؤوليها.
أما بخصوص استعادة المهاجرين غير الشرعيين، وخلال لقاء للرئيس عبد المجيد تبون مع الصحافة في الأسابيع الأخيرة، أكد أن الجزائر لن تتخلى عن أبنائها ويمكن أن توافق على استعادتهم شرط أن يستنفدوا جميع حقوق الطعن والاستئناف التي يسمح بها القانون الفرنسي، إضافة إلى استعادة حقوقهم المادية في حال يحق لهم ذلك.
زيارة الوزير الفرنسي الأسبوع القادم تتزامن مع اجتماع لمجلس أعمال فرنسا الجزائر، وربما بحضور ومشاركة السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه، والذي اعتبرته الجزائر شخصًا غير مرغوب به على الأراضي الجزائرية بعد مشاركته في تحقيق أجرته القناة الفرنسية الثانية، والذي لاقى استنكارًا وتنديدًا كبيرين في الأوساط الرسمية والإعلامية الجزائرية، معتبرين أنه يتضمن الكثير من المغالطات المعادية للجزائر ورئيسها، ومشاركة السفير الفرنسي فيه بعيدة عن أي عمل دبلوماسي، والأشخاص الذين شاركوا في البرنامج جزائريين أو فرنسيين بعيدين عن المصداقية والحيادية.
زيارة الوفد الاقتصادي الفرنسي تهدف إلى إنقاذ مصالح الشركات الفرنسية التي تعمل في الجزائر، والتي تُقدَّر بحوالي 2000 شركة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الزراعية وقطاع الصحة.
وترى منظمة أرباب العمل الفرنسية أنه رغم مرور العلاقات السياسية في البلدين بمرحلة توتر حاد، فإن العلاقات الاقتصادية وإن تراجعت فإنها لا تزال مستندة إلى حضور قوي للشركات الفرنسية، إضافة إلى روابط اقتصادية تاريخية ومهيكلة. وكانت زيارة المدير العام لشركة النقل البحري CMA رودولف سعادة، والتقى فيها الرئيس عبد المجيد تبون، خطوة إيجابية نحو استمرار العلاقات الاقتصادية واستقرار العلاقات الثنائية لما فيه مصلحة البلدين. وللتذكير فقط، فإن الجزائر التي كانت تستورد حوالي 6,000,000 طن من القمح الفرنسي سنويًا حتى عام 2023، تراجعت هذه الكمية إلى 1.6 مليون طن في السنتين الأخيرتين.
الاجتماع الاقتصادي يأتي الأسبوع القادم بعد التحذيرات التي أطلقها رئيس جمعية الصداقة الفرنسية الجزائرية سيغولين رويال وميشال بيزاك مدير غرفة التجارة والصناعة الجزائرية الفرنسية بشأن المخاطر الحقيقية التي قد تؤدي إلى خسارة فرنسا للسوق الجزائرية بشكل نهائي. وكانت رويال قد لاقت هجومًا لاذعًا في بعض إعلام اليمين الفرنسي، والذي اتهمها بالانحياز للطرف الجزائري على حساب فرنسا وسيادتها، لكنها أكدت أن الجزائر لا تطلب إلا المعاملة بالمثل والاعتراف بسيادتها، والاعتراف بما ارتكبته فرنسا الاستعمارية من مجازر بحق الشعب الجزائري طوال فترة الاحتلال، والتي تتضمن التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، والتي يستذكرها الجزائريون هذه الأيام بعد ستين سنة، والتي بدأ الجيش الجزائري أول عملية تطهير جزئي لمواقع التفجير انطلاقًا من تمنراست بالاعتماد على خبرات وسواعد جزائرية، بعد أن رفضت فرنسا القيام بهذه المهمة، إضافة إلى رفضها تسليم خرائط التفجيرات والأرشيف الخاص بهذه العملية الموجود عند الجيش الفرنسي، مما عقّد مهمة تحديد المناطق المشعة في الصحراء الواسعة.
أستاذ التاريخ في الجامعة الجزائرية أوضح بخصوص هذا الملف أن الجزائر تعرضت لنظام استعماري استيطاني جعل منها مختبرًا لسياسات فرنسا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، كما ارتكبت في حق شعبها سلسلة من الجرائم المتعلقة بالتفجيرات النووية في إطار محاولة فرنسا الالتحاق بالنادي النووي العالمي لاستعادة مكانتها التي كانت قد تراجعت بعد الحرب العالمية الثانية.
من المبكر التكهن بنتائج زيارة الوزير الفرنسي، ولكن الأكيد أن صمت الوزير السابق للداخلية في الفترة الأخيرة، إضافة إلى انشغال اليمين المتطرف الفرنسي بمشاكله الداخلية، زيادة على ضغط رجال المال والأعمال الفرنسيين، والنتائج الإيجابية لزيارة الوزيرة السابقة سيغولين رويال، جميعها عوامل دفعت الطرف الفرنسي إلى العودة إلى لغة العقل والحوار لما فيه مصلحة فرنسا أولًا ومصلحة البلدين في استعادة أجواء الحوار والاحترام المتبادل، خاصة وحسب ما ذكرته رويال: لماذا للجزائر علاقات جيدة مع كل أوروبا وفرنسا تبقى وحيدة ورهينة لذكريات الماضي المؤلم بين البلدين؟ ولذلك يجب ترميم الصداقة بين البلدين وتحرير الرغبة في البناء والإبداع وهدم الجدران التي أُقيمت أمام الحوار.
والسؤال الأبرز هو: هل ستؤدي هذه الزيارة إلى زيارة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لباريس بعد أن تمّ إلغاؤها لعدة مرات في السنتين الأخيرتين، أم نرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطار الجزائر قبل نهاية عهدته مستعيدًا سنوات التفاهم والاتفاق بين البلدين؟
