يحاول عبد الصمد (45 سنة) ابن مدينة القصر الكبير إحصاء خساراته التي مني بها جراء فيضانات المدينة منذ أسبوعين، وما تسبّبه قرار الإغلاق من ركود وبوار للسلع التي كان يخزنها في متجر البقالة الذي يمتلكه بأحد أحياء المدينة.
يقول عبد الصمد إن خسائره تفوق 100 ألف درهما، إضافة إلى الديون التي يتوجب عليه سدادها، ويضيف في حديثه مع الوكالة العربية الإفريقية للأنباء أن معظم تجار المدينة يعانون مع تفاوت في نسب الخسائر وحجمها.

قرار إخلاء المدينة وإغلاقها كليا أوقف العجلة الاقتصادية المحلية، ومع استمرار ارتفاع منسوب المياه بالمدينة الذي يطيل مدة الإغلاق يزداد الوضع تعقيدا عند التجار المحليين والموردين ولدى الفلاحين، وهو ما جعل الدولة تصدر قرار إعلان المنطقة منكوبة، واتخاذ إجراءات عملية لدعم المتضررين.
دعم عاجل للمتضررين
وكانت الحكومة المغربية يوم أمس الخميس قد أعلنت أقاليم كل من العرائش إلى جانب أقاليم القنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، مناطق منكوبة، بتعليمات من الملك محمد السادس الذي طالبها بوضع برنامج واسع النطاق للمساعدة والدعم لفائدة الأسر والساكنة المتضررة، واتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة في مثل هذه الظروف.
ووضعت الحكومة برنامجا للمساعدة والدعم، بميزانية توقعية تبلغ ثلاثة ملايير درهم، جرى إعداده بناء على تقييم دقيق ومعمق للوضع الميداني، وكذا على دراسة متأنية للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الاضطرابات الجوية.
يرى مراقبون اقتصاديون بأنّ الغلاف المالي المرصود هو إشارة سيادية وسريعة سياسيا، حيث أن الجزء الأكبر موجّه لاستعادة الوظائف الشبكية مثل الطرق والخدمات وليس لتعويض كل الخسائر المباشرة وغير المباشرة.
ويُقسّم الغلاف المالي للبرنامج الحكومي المعلن بين 1,7 مليار درهم لإصلاح البنيات الأساسية (طرق/شبكات/هيدروفلاحية)، و775مليون درهم لإعادة الإسكان والتعويض عن فقدان الدخل وإصلاح المساكن والمحلات وإعادة بناء المنهارة، و300 مليون درهم لدعم الفلاحين ومربي الماشية، ثمّ 225 مليون درهم للتدخلات الاستعجالية العينية وتغطية الحاجيات الفورية.
الأولوية في إعادة الشبكات الاقتصادية
يقول الخبير والمحلل الاقتصادي أمين سامي أنّ “البلاد أمام تحويل فيضان من حادث طبيعي إلى محفظة إنعاش ترابي بثلاث وظائف تشغيلية، مُعدّدا إياها في “استرجاع قابلية العيش بسرعة، من خلال دعم السكن والدخل كي لا تتحول الأزمة إلى نزوح دائم، ثم استرجاع قابلية التشغيل من خلال الطرق والشبكات والبنيات الهيدروفلاحية، كي لا تتعطل شرايين الاقتصاد المحلي، وثالثا تثبيت سلاسل القيمة الغذائية في منطقة الغرب واللوكوس عبر دعم الفلاحة والماشية حتى لا تترجم الصدمة إلى ارتفاع أسعار وندرة المواد.
ويضيف سامي في حديثه للوكالة العربية الإفريقية للأنباء أن منطق التوزيع لهذا الدعم الذي خصص 56 بالمئة منه للبنية التحتية يعني أن الدولة تعتبر أن “القيمة الكبرى ليست في التعويض النقدي المباشر، بل في إعادة تشغيل الشبكات التي تعيد تلقائيا السوق والخدمات والعمل.
خمس عوامل تفسر الإجراء الحكومي
خمسة عوامل تُفسّر توقيت وشكل الإجراءات الحكومية المتخذة لدعم متضرري الفيضانات بحسب المحلل الاقتصادي، العامل الأول هو أن حجم الصدمة صار قابلا للقياس، مشيرا إلى أن اجتياح المياه 110 آلاف هكتار وإجلاء 188 ألف شخصا أجبر الحكومة على ترقية الحدث إلى “كارثة” وليس أضرار محلية.
ويضيف المتحدث ذاته أن العامل الثاني هو الضغط الزمني، بحيث كل أسبوع تأخير يخلق كلفة مركبة سواء خسائر في الإنتاج، أو تلف سلع وتوقف خدمات، ثم هشاشة وهجرة داخلية، والعامل الثالث يتعلق بالحاجة إلى غطاء قانوني/تنظيمي، موضحا أن إعلان “حالة كارثة” و”مناطق منكوبة”، يفتح قنوات استثنائية للتدخل والتمويل ويبرر تسريع الإنفاق العمومي.
ويستطرد أمين سامي في العامل الرابع أنه يتعلق ب “إدارة المخاطر على مستوى السمعة والثقة، حيث الدولة تشتري الثقة بقدر ما تشتري الإسمنت” وفق تعبيره، وبالتالي الشرعية تُقاس بسرعة الاستجابة، وينتهي العامل الخامس بأنّه نقطة سياق من خلال صياغة القرار بتعليمات ملكية، تُحوّله إلى “أولوية فوق قطاعية” تمنع لعبة تبرير التأخير بين القطاعات.
طبقات الخسائر الاقتصادية
تتفاوت الخسائر الاقتصادية داخل مدينة القصر الكبير وفي كافة المناطق المتضررة الممتدة على سهل الغرب واللوكوس، وحتى اللحظة لم تصدر حصيلة مالية رسمية دقيقة ومفصلة لحجم الخسائر التي تكبّدتها المدينة.
يُلفت المحلل الاقتصادي المغربي إلى أنّه يمكن قراءة حجم الخسائر بشكل سليم عبر ثلاث طبقات، الطبقة الأولى معنية بالخسائر المباشرة، من خلال مساكن ومحلات وتجهيزات وأصول إنتاج صغيرة، إضافة إلى أضرار الطرق والمسالك والقناطر وشبكات الري.
وتأتي في الطبقة الثانية “خسائر غير مباشرة” متمثلة في توقف تجارة القرب والخدمات والنقل والأسواق الأسبوعية، مشيرا إلى أنّ توقف هذه العجلة إضافة إلى بعض التعثر في سلاسل التوريد قد يساهم في ارتفاع كلفة اللوجستيك”.
وفي الطبقة الثالثة وفق ذات المتحدث تأتي الخسائر الزراعية، بحيث أن “الحديث عن غمر المياه ل 110 ألف هكتار من الأراضي، يعني أن الأثر ليس إتلاف محصول فقط، بل تلف في التربة والمنشآت الهيدروفلاحية، مع ضياع دورات إنتاج لاحقة، مع احتمالية انتقال الصدمة لأسعار الأعلاف واللحوم محليا.

المدينة تتعافى تدريجيا
يُمنّي التاجر عبد الصمد ابن المدينة نفسه في أن تتعافى مدينته بسرعة، ويعود إلى تجارته ودكانه، مدركا في نفس الوقت صعوبة التعافي السريع بسبب الكارثة غير المسبوقة التي أصابت المدينة، لكنّ أمله يبقى معقودا حيال الإرادة الفردية والجماعية لدى الساكنة والسلطات للنهوض مجددا.
في حديثنا مع المحلّل أمين سامي، انتقل النقاش إلى الوقت الذي تحتاجه مدينة بحجم القصر الكبير إلى التعافي الاقتصادي، خاصة وأنّ الخدمات والحياة الاقتصادية لن تعود دفعة واحدة، بل تدريجيا، وهنا يرى سامي أن رحلة التعافي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة آجال.
يوضح الخبير أن الأجل الأول هو عودة الحياة الاقتصادية الأساسية عبر فتح الطرق وتنظيف الأحياء وتشغيل الأسواق، ثم يأتي التعافي الوظيفي للأنشطة المحلية عبر تعويض محلات التجارة الصغيرة ودعم سيولة المقاولات الصغرى، مُختتما حديثه بأن الأجل الأخير هو التعافي الهيكلي المقاوم من خلال إعادة بناء المدينة والمنظومة على قواعد تقلل تكرار الصدمة.
