لطالما كانت الحقيقة هي الهدف الرئيسي للصحافة، ويشكل الكشف عن الحقيقة هاجس الصحفيين الأكبر، وفي الصحافة الاستقصائية ذلك الجنس الصحفي المعتمد على العمل الدؤوب والجهد الكثيف والوثائق تكون العملية معقدة من عدة جوانب، من جانب الصحفي الذي يبذل جهدا مضاعفا يستغرق شهورا وسنوات مهنيا وشخصيا، ومن جانب السلطة التي قد تقمع العمل الاستقصائي إن كان سيكشف عن فضائح كبرى، ما يشكل ثنائية هواجس وتحدّيات متعددة.
في هذا الصدد حاورت الوكالة العربية الإفريقية للأنباء السيدة روان الضامن المديرة العامة لشبكة أريج الاستقصائية على هامش تنظيم يوم دراسي حول “الصحافة الاستقصائية في المغرب” بالعاصمة الرباط.
أجرى الحوار/ أيمن مرابط
س: ما هي الصعوبات والتحدّيات الكبرى التي تواجه الصحافة الاستقصائية في ظل واقع إعلامي يشهد عدد كبير من التجاوزات لأخلاقيات المهنة؟
التحديات التي نواجهها ضخمة جدا، هناك تحديات استراتيجية وأخرى يومية، تتعلق أولا بسلامة وحياة الصحفي، ما حصل في غزة يُثبت أن الصحفي مستهدف في حياته بسبب أنّه صحفي، ولم نستطع نحن ولا أي مؤسسة حماية الصحفيين في غزة، وحماية أن يستمر في عمله الصحفي، هناك تحديات رقمية تتمثل في الرقابة والتجسس على الصحفيين رقميا، هناك تحديّات قانونية من حيث القضايا التي تُرفع ضد الصحفيين وضد المؤسسات الصحفية وسجن الصحفيين، وأيضا التحديات النفسية بحيث كيف يمكن للصحفي أن يستمر في ظل كل هذه التحديات النفسية والاقتصادية والمهنية للاستمرار في المهنة.
مؤسسة أريج أيضا تواجه صعوبات في مجال التمويل، كيف تموّل الصحافة المستقلة، وكيف تمول هذه الصحافة التي تريد أن تكون حيادية في ظل ضغوطات كبيرة، وفي ظل أن الإدارة الأمريكية الجديدة تحاول أن تبث أفكارها لكل العالم وتقول أنّ الصحافة ليست شيئا مهما، نحن لا نريد معلومات ولا نريد الصحفيين، والرئيس الأمريكي يهاجم الصحفيين ويقول لهم أنتم أعداء البلد، وبالتالي دول جنوب العالم تصدّق هذا الموضوع…
س: ..أفهم أن هناك توجه أمريكي للتضييق على الصحفيين، من خلال النقطة أسألكم سيدتي، هل المناخ الدولي بكل ما يشهده من أحداث كبرى، تُؤثّر على برامج شبكة “أريج”، وما هو حجم هذا التأثير والضغوط التي يمكن أن تتشكّل؟
الضغوطات هائلة جدا، لأن المناخ الدولي بشكل عام أصبح خلال السنتين الأخيرتين لا يؤمن بمواضيع العدالة والقانون الدولي وبكل ما اعتدنا أن نؤمن بأنه موجود في هذا العالم، كل هذه المنظومة انهارت، وبالتالي أهمية الصحافة أصبحت موضع تساءل. لذلك من المهم جدا أن كل هذه الضغوط لا تُنحينا عن فكرة مهارات الصحفي وتقويته سواء المستقل أو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أن تستمر في العمل، لأن المناخ العالمي يتجه نحو دفع المواطن العادي إلى العزوف عن الأخبار وعن المعلومة، ويحاول النموذج الأمريكي أن يقول للمواطن ما مفاده “أنت لا يهمّك أن تعرف شيئا، المهم أن يكون لديك بيت وسيارة وبعض الحقوق الأساسية وهذه هي السّعادة أي أن لا تعرف”، وفي ظل هذا المناخ، من المهم جدا أن نبث الأمل في الصحفيين وطلبة الإعلام والمشتغلين، وأنّ المعلومة هي الأساس من أجل المستقبل، ولا يمكن دون معلومة موثقة أن تبني مستقبلا.

س: ما هو الرهان الأكبر الذي تراهنون عليه في ميدان الصحافة الاستقصائية، هل الرهان هو مهني بالدرجة الأولى أم إنساني من حيث حق الإنسان في المعلومة والحقيقة؟
رهاننا الأكبر على أنّ مستقبل الصحافة ممكن أن يكون بخير، إذا عملنا سويّا، وإذا تعرّفنا على بعض أكثر واستطعنا أن نعمل مشاريع جماعية أعلى، أما إذا بقينا كل مؤسسة إعلامية لوحدها لا تعرف أي شيء عن المؤسسة الإعلامية الجارة لها في نفس المدينة، وإذا كانت القاهرة لا تعرف شيئا عن الرباط، وطرابلس ليبيا لا تعرف ما يحدث في تونس، هذا يؤدي إلى أنهم يدمّروا هذه عدد من المشاريع الإعلامية المهمة.
يجب أن نتعرف على بعضنا ونتشارك، نحن لدينا هموم مشتركة، ولغة واحدة، وإمكانيات عمل مشتركة هائلة، لا ينقصنا الذكاء ولا المهارات ولا حتى الإمكانيات، لكن ينقصنا الإرادة، أن نقرّر العمل سويا، وأن تعبر قصصنا دولها، يعني إذا كان هناك قصص صحفية ممنوعة في تونس مثلا، يُمكن أن تُنشر في المغرب، وإذا هي ممنوعة في المغرب، فلتُنشر في مصر وهكذا…، هناك أيضا مجالات للحركة حيث نستطيع أن نتحرّك بشكل كبير جدا، وهذا الأمر غير متوفر في أي إقليم آخر، لا أمريكا اللاتينية لديهم نفس اللغة ولا إفريقيا ولا أوروبا، فلماذا لا نستغل هذا الأمر خصوصا للمضامين الإعلاميّة.
أحيانا، أسمع أن الدارجة المغربية لا يفهمونها الناس في المشرق، بينما الحقيقة أن الدارجة المغربية أول ما يتحدث بها شخص مغربي مع مصري مثلا، يمكن أن يستغرب في أول خمس جمل، لكن في السادسة سيفهم ويدرك.
أنا أصلي من فلسطين، وفي كل فلسطين اللهجة تختلف بين المناطق، ولكن الناس يفهمون بعضهم البعض جيدا، هذا شيء طبيعي جدا، ما هو غير طبيعي هو أن نقتصر في تفكيرنا على مستوى مدينتنا أو على مستوى الوطن فقط، وألّا ننطلق بانفتاحنا في هذا الاتجاه.
للأسف هناك مؤسسات تعمل بمنطق “فرّق تسد”، هي تريد ألّا يتعرّف الجزائري على المغربي، والمصري يختلف مع المغربي على كرة القدم، والسوري يعتقد أن التجربة الليبية لا تُفيده، والعراقي يعتقد أن التجربة المغربية لا تفيده، بالعكس هذه التجارب هي أساس الانطلاق، لا نبدأ من الصفر، وإنّما ننطلق من أجل عمل مشترك، وهذا ما يعطيني الأمل، وعندما أجد أن صحفية مغربية لها صديقة عراقية تعرّفوا على بعض في أريج ويشتغلون مع بعضهم البعض في مشروع بعيدا عن أريج، أكون في سعادة، لأن هذا معناه الحقيقي أنّه هناك أمل، وأننا نجحنا في عملنا وفي رهاننا.
س: نعلم جيدا أن عددا من المؤسسات الإعلامية بالعالم العربي تخلق حالة الاحتقان السياسي والطائفي وخطاب الإلغاء، وأنتم في شبكة أريج ضد هذه الممارسات…، هل أظهرت برامجكم العابرة للحدود نتائج ملموسة من حيث تحسين وتجويد العمل الصحفي والإعلامي في العالم العربي؟
الإقصاء هو مرض العصر، عالميا وعربيا، إما أن تكون معي أو تكون ضدي، نحن في أريج عملنا مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين في كل مشاريعه العابرة للحدود، من أوراق بنما في العام 2016 إلى أوراق “Paradise pappers”، وكل مشاريع الاتحاد الدولي، وفي ذلك الوقت وصولا إلى ملفات “مشروع غزة” عندما عملنا مع “Forbidden stories” في فرنسا، و “الغارديان” في بريطانيا، ومجموعة كبيرة من الناشرين والمؤسسات العالمية، يُفاجؤون بمستوى الصحفيين والصحفيات العرب، هم لا يصدّقون أن الصحفيين العرب لديهم عدد من المهارات والقدرات والأخلاقيات في العمل. وللأسف، النظرة الدونية تجاه الصحفي العربي ما زالت موجودة.
في المشاريع العابرة للحدود على المستوى العربي، عملنا في فترة “كورونا” ملفات كثيرة، لأن الصحفي العالمي والعربي اكتشف لأول مرة في كورونا أنّه لا يستطيع أن يغادر مدينته، ومضطر أن يعمل قصصا، وقبل ذلك كان الصحفي يقول أنّه يستطيع أن يعمل لوحده، بيد أنّ جائحة كورونا، وثم الحرب في غزة اضطرت الصحفيين الأجانب أن يتعاملوا مع نظرائهم في قطاع غزة، حيث لا يُغطّون ما يحدث على الأرض.
العمل العابر للحدود يُعلّم الصحفي أنّه لا يمكن أن تصل للجمهور الواسع، لأن هذا الأخير موزّع ومقسّم، وبالتالي إذا أراد أن تصل قصّته، يجب أن تُنشر على عدّة منصات، ثانيا الأمن والسّلامة، بحيث إذا موقع رقمي أو قناة قامت بنشر قصة معينة، ممكن هذه القصة أن تُدمّر هذا الموقع وتكون في غير صالحه، ولكن إذا انتشرت القصة في مئة موقع مثلا، الأمن والسلامة يصبحان أكبر، وهذا ما تعلّمناه من المشاريع العابرة للحدود مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين.
أعتقد أنّه من المهم جدا أن تكون هناك قصصا محلية، لهذه القرية فقط أو لتلك المدينة فقط، ولكن تُنتَج بمعايير دولية، ومهم أن يكون بالتوازي أيضا مشاريع عابرة للحدود.
س: هل يمكن وصف مؤسسة “أريج” بأنها جسر تواصل إعلامي وصحفي بين المشرق والمغرب في العالم العربي؟
قليلة جدا هي المؤسسات الإقليمية المختصة بالصحافة الاستقصائية على مستوى الوطن العربي، و “أريج” هي المؤسسة الوحيدة الاستقصائية في المنطقة العربية، والمهتمة بالعمل في كل الدول العربية. وفي بلدان المشرق العربي والمغرب للأسف الشديد هناك مشاريع تهتم فقط بدولة واحدة، إما في سوريا فقط مثلا أو في المغرب، ونحن نقول أنّ من أهم أدوات التعلّم والعمل أن يكون هناك عمل عابر للحدود، وهناك قضايا كثيرة مثل قضايا البيئة والتعليم هي مشتركة بين كل الوطن العربي.
نحن ننظّم ملتقى إقليمي سنوي واحد يتم مرّة في العام، في عطلة نهاية الأسبوع الأولى من ديسمبر سنويا، في السنة الماضية كانت النسخة رقم 18، ونأخذ ردود فعل من الناس، وكان هناك شخص كتب في ردود الفعل أن ملتقى أريج السنوي يُعيد لي الإيمان بأن الصحفيين العرب بين المشرق والمغرب يستطيعون أن يعملوا سويا. لقد كنت سعيدة جدا بهذا التعبير، لأنّه يُؤكّد أن قضايا المناخ والبيئة لا تستطيع أن تحلّها على مستوى وطني أو قضايا الذكاء الاصطناعي، وبالتالي من المهم جدا أن يكون هناك عمل إقليمي وتشبيك إقليمي.
للأسف، في المغرب العربي مثلا ينظرون إلى أوروبا أكثر من النظر نحو المشرق، وفي المشرق ينظرون إلى لندن أكثر مما ينظرون إلى الرباط، ومن المهم جدّا أن نكسر هذا الجمود، ونقول أن اللغة العربية والثقافة التي تجمعنا هي أكبربكثير من أي أمور تفرقنا.
