ليلة الجمعة في 29 يناير من هذا العام، كنت أجلس أتصفح مستجدات الأخبار في مواقع التواصل الاجتماعي كعادتي، ومع سيل من الأحداث المؤلمة التي تقع في عدد من البلدان، من حروب وكوارث طبيعية، تكاد الأخبار المفرحة تنقرض وسطه، حتى وصلتني رسالة من صديقة عزيزة تقول بكل حزن إن شخصا عزيزا على القلب قد توفي الآن.
اتصلت لأعرف، فكان البكاء هو الجواب، أسأل فتردّ إن الفنان عبد الهادي بلخياط هو المتوفى، نعم، عرفت فيما بعد أن أناسا كثر غير صديقتي، ذرفوا الدموع مع بعضهم حزنا على رحيل الأيقونة المغربي، كان لقاءهم الوحيد به هو سماع صوته وموسيقاه التي اخترقت أحاسيسهم لعقود من الزمن، فشكّلت لهم وعيا وحسا جعلهم يشعرون بقربهم من فنّان عشقوا فنّه.

يكاد المشهد يُشبه نوعا ما، وفاة أسماء كبيرة في عالم الموسيقى من أمثال عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وزياد الرحباني وقائمة طويلة، كان موتهم أقسى ما يمكن سماعه، لأنّ الناس عاشوا معهم وبفضلهم أجمل الأوقات ولم يعرف الحزن طريقا في علاقتهم بهم.
في المغرب، وفاة عبد الهادي بلخياط هي لحظة فارقة وصعبة، الرجل الذي طرز الموسيقى والنوتة وطوّع آلة العود التي كان يمسكها بيديه في كل حفلاته، فأخرج وأبدع أكثر الأغاني قربا للروح والقلب، اجتازت كل الأزمنة والأجيال، وجسّدت مفهوما حقيقيا لمعنى الإبداع البشري.
شكّل الراحل عبد الهادي بلخياط ثورة منتظمة في الموسيقى المغربية، وكان من الأعمدة الأوائل الذين ثبّتوا الهويّة الفنّية المغربية في التاريخ المعاصر، مازجا في موسيقاه بين الإيقاعات المغربية الأصيلة القادمة من جبال الأطلس وبين الحداثة الموسيقية التي عرفتها فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
أما الكلمات التي كان أصحابها زجّالون وشعراء مغاربة كبار من أمثال علي الحداني وأحمد الطيب العلج والموسيقار فتح الله المغاري، فكانت نسيجا لغويا أنيقا من اللغة العربية الفصحى واللهجة المغربية الدارجة البسيطة والمحترمة.
في إحدى اللقاءات التلفزيونية له، كان الموسيقار الراحل فتح الله المغاري يقول إن استلهام الألحان في أعماله كان يتطلّب منه السفر إلى قرى جبال الأطلس ويصيخ السمع لمواويل النساء الأمازيغيات في الحفلات ولإيقاعات موسيقى الأطلس بأصواتهنّ الحادة والنقية التي تمزج بين الحزن والفرح، وكان ينصح الفنّانين بالسفر إلى أصقاع جبال الأطلس لفهم الموسيقى المغربية الخالصة وإيقاعاتها وجذورها.
حين نستمع إلى أغنية “في قلبي جرح قديم” التي صدرت سنة 1971 وكتب كلماتها فتح الله المغاري وغناء ولحن عبد الهادي بلخياط، نجد أن المقدّمة تبدأ بلحن أمازيغي صرف، مستعملا مقام الصبا، الذي يتماشى بشكل توزيعي متميز مع كلمات الأغنية المعبّرة عن الحزن والألم وجروح القلب التي لا تندمل، ونجد نفس التوزيع اللحني في أعمال كثيرة أخرى مثل أغنية ” ما منك زوج أنت واحد” التي تتحدّث عن معاناة الإنسان جراء غياب الحبيب وهجره وما يتركه الهجر من ألم لا يكسره النسيان.
إن القوة التي امتلكها الراحل عبد الهادي بلخياط تكمن بشكل كبير في الكاريزما الموسيقية التي امتلكها في وقت مبكّر هو والفنّانين الكبار الذين كانوا معه، حيث كان بارعا في إعطاء قوّة لكلمات أي عمل عبر الموسيقى، عبر اختيار المقام الغنائي المناسب الذي يتسلّل إلى قلب المستمع قبل الأذن، ما يخلق حالة من الانجراف النفسي والعاطفي مع كل تفاصيل العمل الفني من الكلمات إلى اللحن ثم الصوت الشجي الذي يؤدّي العمل.
لم تكن أعمال عبد الهادي بلخياط لتكون خالدة في قلوب المغاربة، لولا أنّها تعبّر عنهم عن مشاعرهم وعواطفهم وعن الهويّة النفسية والحسية للمغاربة، فكان كلّ فرد يجد نفسه في كل أغنية، كما أنّها لم تكن منفصلة عن الواقع المعيشي اليومي والاجتماعي والثقافي، فالكلّ شعر بأنه هو المعني بنداء ” يا ذاك الإنسان”، والكلّ ركب “قطار الحياة وبقيت وراءه ذكريات”، وكلّ مغربي أيضا وجد ضالّته في “البوهالي”، وكلّ فقير يبحث عن بنت الناس لأجل الزواج والحب كان يطلب منها أن تفهمه وتتفهّم حالته الاجتماعية الفقيرة، وكلّ عاشق اشتكى من “الهوى” وقال “شوفوا الهوى وما يدير فيّا”.
هذا القرب الفنّي والوجداني والحسّي بين عبد الهادي بلخياط الفنّان والمغاربة، سيتّسع ليشمل شعوب البلدان المغاربية والعربية أيضا، بالنسبة للمغاربية فبحكم اللهجة الواحدة التي تجمع بين المغرب والجزائر وتونس رغم الاختلافات اللهجاتية، والعربية بحكم أن معظم كلمات الأعمال كانت بالفصحى العربية التي يستطيع فهمها المشرقي بسهولة دون عناء، فشكّل بذلك جسرا موسيقيا جميلا يجمع بين الشعوب التي أصبحت تتناحر مع بعضها أكثر ممّا تلتقي.
إنّ الراحل عبد الهادي بلخياط، جسّد بقوة النبوغ المغربي والإبداع المتفرّد الذي يميّز بلاد المغرب عن سائر البلدان والمناطق، حيث استطاع أن يُغنّي الأعمال المشرقية الطربية بقوة واحترافية، وهو أمر يغيب عند الإخوة المشارقة إذا حاولوا أداء الأغنية المغربية، ويحكي في إحدى لقاءاته التلفزيونية عن لقاءه بالموسيقار محمد عبد الوهاب في حضرة الملك الراحل الحسن الثاني، وكيف اندهش منه محمد عبد الوهاب وطلب منه الاشتغال معه في مصر، لكنّ جملة واحدة من الملك كانت كفيلة لترسم مسار الفنّان المغربي حيث قال له “هو عبد الوهاب في بلده مصر، وأنت عبد الهادي في بلدك”، فكان فعلا طوال حياته سواء الفنية أو حتى حين اعتزاله هو عبد الهادي بلخياط المغربي والمغاربي حتى النخاع.
بقي عبد الهادي بلخياط محافظا على صورته لدى المغاربة، واعتزاله الغناء سنة 2011، استقبله المغاربة بكل احترام ومحبة، رغم تمنّيهم في الاستمرار للاستماع له، ومن جهته، لم يحرم المغاربة من صوته، حيث تفرّغ للغناء الديني والصوفي، وأقام حفلات دينية كبرى في المسارح، أمتع فيها الجمهور بأداء قصيدة “المنفرجة” التي التقصت باسمه بعد اسم صاحبها الأصلي أبو الفضل يوسف بن محمد، المعروف بابن النحوي التوزري، حتى ظنّ الكثير من الناس أن المنفرجة هي لعبد الهادي بلخياط فقط.
من الفنّ والموسيقى إلى التصوف والدعوة والأعمال الخيرية، هكذا كانت فصول حياة الراحل عبد الهادي بلخياط، وكان اعتزازه بالوطن والأرض والتاريخ والهويّة هو دافعه للإبداع، لكنّ قبل ذلك كان الشغف والحب والمحبّة والإنسانية هم المحرك الأساسي لكل الإبداع والعطاء المتفرّد، فرسم وخاط ثوبا فنيا سيظل خالدا في تاريخ الوطن، وكان هو الفنّان والداعية الذي في جنازته أثناء توديعه اجتمعت كل أطياف الوطن على محبّته وعلى الدعاء له، فكانت جنازة وطن حزن فيها الصغير قبل الكبير، وبكى فيها من عاصروا الراحل ومن استمعوا له فيما بعد، لتؤكدّ أنه سيبقى خالدا في القلب والذاكرة كخلود أشجار الأرز في جبال الأطلس المغربية.
