د. عدنان منصور : في الوقت الذي تبذل فيه أكثر من دولة إقليمية مساعيها الدبلوماسية لحلّ النزاع الساخن بين الولايات المتحدة وإيران، تستمرّ واشنطن بتهديدها وتلويحها بالحرب، وممارستها الضغوط السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والنفسية على طهران، وذلك بحشد أساطيلها الحربية، ونشر قواتها وتعزيز قواعدها العسكرية المحيطة بإيران بالأسلحة الفتاكة والأكثر تطوراً في العالم.
حشد عسكري بدأ منذ أسابيع ولم يتوقف، حيث يهدف الرئيس الأميركي ترامب من خلاله، تصفية حساب مع طهران، وهو حساب قديم لم يستطع أيّ رئيس أميركي منذ الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، أن يلوي ذراع إيران، أو أن يغيّر من مبادئها التي حدّدت هويتها منذ اللحظة الأولى لتأسيس النظام الإسلامي فيها، وهي التمسك بقرارها السياسي المستقلّ، وبسيادتها الوطنية قولاً وفعلاً، والوقوف إلى جانب الشعوب الحرة ونضالها، ومناهضة قوى الهيمنة والتسلط والاستغلال، وقطع العلاقات الكاملة مع الكيان الإسرائيلي، والوقوف إلى جانب قضية الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه.
منذ ولايته الأولى، أخذ دونالد ترامب على عاتقه مواجهة إيران، وذلك، بالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته طهران مع المجموعة 5+1. لم يكتف الرئيس الأميركي بذلك، بل فرض سلسلة عقوبات قاسية، أحادية الجانب على إيران، متجاوزاً مجلس الأمن، وملزماً دول العالم على التقيّد بها، تحت التهديد بفرض عقوبات عليها في حال لم تلتزم لها.
لم تفلح كلّ العقوبات الأميركية والأوروبية أن تكره طهران، وجرّها إلى مفاوضات الأمر الواقع، التي يريدها ترامب، لأنّ ما يريده فعلاً من إيران، هو تجريدها الكامل من برنامجها النووي السلمي، الذي يرتبط مباشرة بسيادتها الوطنية، وأمنها القومي.
في الوقت الذي تُصرّ فيه واشنطن على رفع لاءاتها الأربع قبل أيّ مفاوضات تجري مع إيران وهي: لا لبرنامج إيران النووي، لا لاحتفاظ طهران بكمية الـ 400 كلغ من اليورانيوم المنضب التي في حوزتها، لا لبرنامج الصواريخ الإيرانية المتطورة، ولا “لتدخل” إيران في المنطقة، نجد طهران ترفع صوتها، وتتمسك بحقها النووي السلمي، الذي كفله لها نظام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما ترفض إيران رفضاً قاطعاً المساس ببرنامجها الصاروخي أو تقليصه. هذا الرفض بدا واضحاً أثناء المفاوضات النووية مع المجموعة 5+1 في فيينا بين عامي 2013 و2015، إذ حاولت الولايات المتحدة ومعها فرنسا وبريطانيا وألمانيا انتزاع موافقة إيران، كي يتضمّن أيضاً جدول المفاوضات ملف برنامج الصواريخ الإيرانية، وهذا ما لم تقبل به إيران مطلقا، مُصرّة على التفاوض حول ملف واحد وهو الملف النووي، وكان لها ما أرادته.
اليوم، يريد ترامب من جديد أن يضع على طاولة المفاوضات الملفات الأربعة، إلا أنّ طهران لن تتراجع من موقفها الثابت، وهي لا تزال تصرّ على التفاوض حول البرنامج النووي فقط، بما يكفل حقها القانوني لجهة تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، حتى وإنْ خفضت نسبة التخصيب إلى 3.5% التي تمّ التوصل إليها عام 2015 بموجب الاتفاق النووي.
إيران من ناحيتها لا يمكن لها أن تقبل بأيّ شكل من الأشكال وقف البرنامج النووي، أو وقف التخصيب، بعد أن دفعت بسبب برنامجها النووي السلمي، ثمناً غالياً نتيجة العقوبات الشرسة التي طوّقتها من كلّ الاتجاهات! كيف يمكن لإيران بعد هذه السنوات الطوال من العقوبات أن تتنازل عن حقها، وتتراجع أمام شعبها، وعن حقوقها المشروعة، لتجد نفسها في ما بعد، أمام تنازلات أخرى تفرضها عليها واشنطن مستقبلاً؟!
إذا ما أصرّ ترامب على مطالبه التعجيزية، وأراد أن يخيّر إيران بين الإذعان لمطالبه أو الحرب، فإنّ إيران التي رفضت على الدوام الطاعة، والخضوع للغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، منذ تأسيس جمهوريتها عام 1979، لن تقبل مطلقاً اليوم بشروط ترامب، ولن ترضخ لتلويحه وتهديده بالحرب المنتظرة!
إنّ حشد الأرمادا الأميركية، والتنسيق مع “إسرائيل”، وإصرار ترامب على إخضاع القيادة الإيرانية لشروط واشنطن كما هي، وتهديده بالحرب، لن يخيفها، ولن يجعلها تستسلم، لأنّ مطالب ترامب التعجيزية لن تؤدي إلى قاسم مشترك يرضي الطرفين، وإنما مطالب ترضي الطرف الأميركي وحده على حساب المصالح الوطنية والسيادية لإيران. لذلك يستعدّ ترامب لشنّ ضربة عسكرية عليها، لكن ليس فقط من أجل إنهاء برنامجها النووي بالكامل، وإنما ـ وهو الأساس والهدف الرئيس ـ إسقاط نظامها ـ وهذا لن يتحقق ـ وتنصيب نظام آخر عميل لها على شاكلة نظام محمد رضا بهلوي، وباتيستا في كوبا، وبينوشيه في تشيلي، وارباس في بنما، وآرمس في غواتيمالا واللائحة تطول!
من السهل على ترامب أن يضغط على الزناد، وإشعال الحرب، لكن لا يستطيع ولا غيره أن يعرف مسبقاً، إلى أين ستؤدي الحرب، خاصة أنّ مرشد الثورة السيد علي الخامنئي نبّه ووجّه رسالة واضحة لمن يعنيهم الأمر، من أنّ الحرب لن تنحصر في نطاقها الجغرافي الإيراني كما يريدها ترامب، وإنما ستتعدّى ذلك لتكون حرباً إقليمية شاملة!
ترامب الذي ادّعى يوماً أنه أنهى سبعة حروب، معتبراً نفسه “حمامة سلام” في هذا العالم، نراه اليوم يندفع مسرعاً، وبسلوك استفزازي عدائي، خارج عن القانون الدولي، حيال دول هنا وهناك، يطيح بنظام مادورو، ويخطفه ويستولي على نفط فنزويلا، ويُبدي عن عزمه الاستيلاء على غرينلاند، ويهدّد كوبا وكولومبيا، ويريد ضمّ كندا إلى الولايات المتحدة، ويحذرها برفع الرسوم الجمركية 100% على بضائعها المصدّرة إلى بلاده، إذا ما توجّهت شرقاً باتجاه الصين.
إيران، تتصدّر المشهد، بعد أن قرّر ترامب حسم النزاع معها بالحرب التي يشحنها ويجيّشها، غير مكترث بالوسائل الدبلوماسية، التي تجاوزها بمواقفه المستهجنة حيال كندا، وفنزويلا، وغرينلاند وكوبا، وكولومبيا، والاتحاد الأوروبي، واستهزائه برؤساء بعض دوله!
“إسرائيل” ولوبيّاتها ومجموعات الضغط الصهيونية في الداخل الأميركي تستعجل ترامب لشنّ الحرب التي لم تسقط من حسابه، رغم قبوله مؤقتاً بالمفاوضات الدبلوماسيّة، لأنه يعرف مسبقاً أنّ مطالبه التعجيزيّة، ستفشل المفاوضات ولن تؤدي إلى ننيجة يريدها، وهذا ما سيدفعه إلى استخدام القوة العسكرية ضدّ إيران!
مغامرو الحروب كثر عبر التاريخ، لا يهمّهم نتائجها، وإنْ كانت الخسارة في الأرواح والدمار تطال الجميع، أكانوا منتصرين أو منهزمين!
يبدو أنّ الرئيس ترامب لا يكترث للتاريخ بمقدار ما يكترث لنفسه، وإذا كان شعاره أميركا أولاً، فهو يرى نفسه قدر أميركا وهيمنتها على العالم. لذلك يبقى خياره الحرب قبل السلام، لأنها الوسيلة التي يرى فيها تحقيق مطالبه عن طريق القوة! أليس هو المؤمن بمبدأ “السلام” عبر استخدام القوة؟! أليست عقيدته السياسية تعتمد على فرض “الاستقرار” الإقليمي والدولي من خلال الردع العسكريّ، بدلاً من الاعتماد الكلي على الدبلوماسية، وأنّ القوة العسكرية كفيلة بضمان “السلام” وإخضاع الخصوم؟! ألم يؤكد ترامب في خطاباته أنه حقق “السلام” في المنطقة من خلال النهج العسكري، متعهّداً بإنهاء النزاعات من خلال هذا النهج، الذي يجسّد في حقيقته استعماراً أميركياً جديداً، لإعادة بسط نفوذ الولايات المتحدة وتعزيز سيطرتها على الساحة العالمية؟
هل يستعجل ترامب حربه على إيران، لتكون له مخرجاً سريعاً لحرف أنظار الرأي العام الأميركي والعالمي، عن ذهوله واهتمامه ومتابعته لفضائح جيفري إبستين ومجموعته القذرة، التي هزّت أميركا، وضمّت داخلها أحطّ أنواع البشر أخلاقياً، وسياسياً، وإنسانياً، من مختلف المستويات!
ترامب يريدها حرباً على إيران، لتلميع صورته، وسمعته، وإجبارها على الركوع، لكن القيادة الإيرانيّة حسمت أمرها لتقول للعالم: هيهات منا الخضوع لمغامري الحروب وتجارها، ومشعّليها…
د عدنان منصور
*وزير الخارجية والمغتربين اللبناني الأسبق
المصدر: al-binaa
