سامي كليب : أنا افاوضكم لكني أرسلت بالقرب منكم اسطولا عسكريا كبيرا….هذا مختصر كل كلام الرئيس الاميركي دونالد ترامب منذ تجددت رغبة التفاوض المنتظر عقده في سلطنة عُمان غدا… وما لم يقله ترامب صراحة، اعلنه الليلة نائبه جي دي فانس بقوله إن الرئيس الاميركي يضع الخيار العسكري كبديل قائم وقوي ضد إيران في حال فشل المسارات الدبلوماسية، وان الموقف الأميركي صارم حيال منع طهران من امتلاك السلاح النووي، لان واشنطن، على حد قوله لن تسمح لمن وصفهم بالأشخاص المجانين بالسيطرة على تكنولوجيا نووية تهدد الاستقرار العالمي….ولكي يوضح سبب العودة الى المفاوضات، قال دي فانس إن الرئيس ترامب لا يسعى إلى استنساخ تجربة الحرب في العراق أو الانزلاق في نزاعات عسكرية غير مدروسة، بل يمنح الأولوية للجهود الدبلوماسية والحلول السياسية لتسوية الأزمة.
ترامب الذي يلوح عاليا بالعصا ويستخدم مؤقتا جزرة المفاوضات، سعى عبر موفده الخاص الى اسرائيل ستيف ويتكوف الذي التقى مرتين نتنياهو في أقل من اسبوع واجتمع بكبار القادة الامنيين، الى اقناع الحكومة الاسرائيلية بأن ما تريده اسرائيل بالقوة يمكن الحصول عليه بالمفاوضات قبل اللجوء الى القوة وهذا يرتكز على ثلاثة شروط تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ثم الصواريخ الباليستية وثالثا دور إيران في المنطقة والكف عن دعم ما تسميه إسرائيل بأذرعها …
بمعنى آخر فإن ترامب ونتنياهو متفقان على ضرورة اضعاف إيران وربما اسقاط النظام، لكنهما مختلفان فقط بالوسيلة، فترامب يعتقد بامكان حصول ذلك بالمفاوضات والضغوط وحماية التظاهرات وخنق إيران اقتصاديا، ونتنياهو يرى ان الفرصة الحالية لن تتكرر ويجب انتهازها سريعا بعمل عسكري…
لنتذكر أن اسقاط النظام الإيراني هو احد أبرز الاسباب التي دفعت تيار الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة لانتخاب ترامب مرتين،فهذا التيار وضع شرطي نقل السفارة الاميركية الى القدس وضرب إيران في قائمة شروط التحالف مع ترامب ودعمه… ولو دققنا بالقيادات المحيطة بترامب وصولا الى السفير الاميركي في اسرائيل، سنجد ان معظمها منبثق من هذا التيار او قريب منه….
لذلك عيون العالم شاخصة صوب ما سيجري غدا في سلطنة عُمان، خصوصا بعد الجهود الاقليمية التركية والعربية التي ساهمت في الدفع باتجاه التفاوض، وبعد المواقف الصينية والروسية والدولية الاخرى الرافضة الحرب…ناهيك عن رغبة ترامب بعدم الانزلاق الى حرب طويلة، فهو لو فشلت المفاوضات يسعى لضربة خاطفة وقاصمة وليس لحرب تطول وقد تكون تكاليفها البشرية والمادية والاقتصادية عالية…
أمام هذه الرغبة الحقيقة عند ترامب ونتنياهو بالقضاء على النظام الإيراني تفاوضا او حربا، يُطرح السؤال كيف سيكون شكل المنطقة بعد الحرب او الصفقة…. لذلك نرى تعزيزا لتحالفات إقليمية كانت حتى الامس القريب امام عقد كأداء… فهذه تركيا تتحرك صوب السعودية وتعقد معها عشرات الاتفاقيات قبل يومين في خلال زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان، وهذه القاهرة تستقبل بترحاب كبير الرئيس التركي، ويعلن الجانبان تطابقا في وجهات النظر حيال قضايا المنطقة ومنها دعم خطة ترامب بشأن غزة ، ووحدة سوريا ورفض التوغل الاسرائيلي فيها، وتوحيد الرؤي في ليبيا، ورفض أي تقسيم للصومال ، ودعم المؤسسات الوطنية في لبنان وحصر السلاح بيد الدولة، وحل سلمي وحوار شامل في السودان، وتأمين البحر الأحمر واستعادة المستويات الطبيعية للملاحة البحرية الدولية العابرة له، ويدينان أي محاولات للسعي إلى وجود عسكري على سواحله…
الواقع ان دول المنطقة تسعى لرسم ادوارها في هذه المرحلة المعقدة، والتي لم يتردد فيها نتنياهو من الاعلان عن اطماع كبرى باراض عربيا وباقامة اسرائيل الكبرى من البحر الى النهر، لا بل أنه لم يتوان ايضا عن قصف قطر بذريعة استهداف قادة من حماس، وهذا ما اعقبه توسيع للتحالفات العربية الدولية، فعقدت السعودية اتفاقية دفاعية كبرى مع باكستان، وذهبت الإمارات العربية الى الاعلان مع الهند عن العمل على رفع تبادلهما التجاري الى اكثر من مئتي مليار دولار قبل العام الفين واثنين وثلاثين… ولا ننسى ان السعودية والامارات باتتا الشريكين الأهم للصين في المنطقة رغم علاقاتهما التاريخية مع الولايات المتحدة .. وذلك فيما الدبلوماسية المصرية العريقة منذ اكثر من مئة عام تتوسع تحت عنوان الإتزان الاستراتيجي، ولا تتردد في رفع شعار الخط الأحمر حين تتقدم اطماع نتنياهو صوب تهجير اهل غزة الى سيناء.
هذه التوازنات الدولية والاقليمية تبدو ضرورة وأكثر من اي وقت مضى لرسم معالم المرحلة المقبلة، وترسيخ دور عربي يبدو مصيريا لمواجهة المستقبل سياسيا واقتصادية وتكنولوجيا وامنيا ….
