تتكاثر التحليلات والتوقعات والمقالات مع كل حادثة تصيب العالم، وتتصاعد حدة هذه التقديرات كلما اشتدت الأزمة واتسع حجم تأثيرها في إقليم معين أو منطقة بعينها. غير أن ما يجري هذه المرة يبدو أكثر حدة وخطورة، خصوصا حين يدور الحديث عن إيران واحتمالات المواجهة مع الولايات المتحدة.
فالجيش الأميركي أرسل خلال الأسابيع الماضية حشودا عسكرية ضخمة إلى بحر عمان، شملت قوتين ضاربتين تضمان أعدادا كبيرة من الطائرات النفاثة والمدمرات الحاملة للصواريخ الموجهة، إضافة إلى آلاف وربما عشرات الآلاف من قوات المارينز التي باتت تحتشد قبالة الشواطئ الإيرانية، في خطوة لا يعرف هدفها النهائي بدقة إلا شخص واحد في العالم، هو الرئيس دونالد ترامب.
وبحسب ما رشح من معلومات، قدم البنتاغون عددا كبيرا من الإيضاحات والإفادات للرئيس الأميركي، وضعت على مكتبه كخيارات متعددة لعمل عسكري محتمل ضد إيران. هذا المسار بدأ منذ أكثر من أسبوعين، لكنه تصاعد بشكل لافت عندما قال ترامب إنه إذا لم تتوقف القيادة الإيرانية عن قتل المتظاهرين فإنه سيوجه لها ضربة شديدة، كما وعد المتظاهرين بأن المساعدات في الطريق، من دون أن يوضح طبيعة هذه المساعدات أو توقيتها.
وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تبدو جميع السيناريوهات مفتوحة على احتمالات خطيرة.
السيناريو الأول:اندلاع حرب كبرى في المنطقة، توجه خلالها الولايات المتحدة ضربات جوية وصاروخية هائلة ضد إيران، تستهدف المنشآت النووية والصاروخية، ومقرات الحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، ومراكز القيادة والسيطرة، وربما بعض مؤسسات الدولة. هذا السيناريو سيقابل برد إيراني وصف بأنه فوري وسريع ومدمر، وفق ما أعلنه كبار القادة الأمنيين والعسكريين في إيران، وعلى رأسهم المستشار العسكري للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي أكد أن دائرة الرد ستشمل كامل المنطقة، بما في ذلك إسرائيل وجميع القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة فيها، وتشترك فيه كل الحلفاء للجمهورية الإسلامية، حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن وحلفاء طهران في العراق، وبالتأكيد ستنخرط فيها إسرائيل، وتصبح المنطقة أمام حالة لا يمكن وصفها بأقل من “الجنون”، وبالتالي حرب سيأخذ الشرق الأوسط برمته إلى الدمار على كل النواحي.
السيناريو الثاني:تبدأ الولايات المتحدة بضربات على بعض المقرات والمواقع الإيرانية، يقابلها رد إيراني بصواريخ على قواعد أميركية، في مواجهة محدودة تهدف إلى اختبار قدرة الطرفين على السيطرة على التصعيد ومنع انزلاق الأزمة نحو حرب شاملة. هذا السيناريو قد ينتهي عند هذا الحد مع حفظ ماء وجه ترامب وتجنب دمار واسع لإيران.
السيناريو الثالث:تنفيذ عمليات اغتيال تطال شخصيات بارزة في الدولة الإيرانية، على رأسها المرشد الأعلى والقادة الذين يوصفون بالمتشددين، يتلوها تعيين خليفة للمرشد على شاكلة فنزويلية، وهو السيناريو الأكثر رضى لترامب، لكن هذا الخيار لا يبدو واقعيا، على الأقل في ظل نظام يشبه النظام القائم في إيران.
أما السيناريو الرابع، وهو الذي يبدو الأكثر رضى للجميع، فيقوم على أن كل ما يجري لا يتعدى كونه ضجيجا سياسيا وعسكريا أطلقه ترامب بهدف الضغط على النظام الإيراني ودفعه إلى طاولة المفاوضات، من دون نية فعلية لخوض حرب واسعة، وذلك عقب وساطات تعمل عليها دول في المنطقة.
*الدور الإسرائيلي*
يبدو الدور الإسرائيلي أنه المحرك الأساس للتصعيد، ويشكل العامل الأساسي والمحوري في دفع الولايات المتحدة نحو اتخاذ مواقف أكثر تشددا تجاه إيران. فإسرائيل ترى في البرنامج الصاروخي الإيراني تهديدا وجوديا، وليس فقط في الملف النووي، وهي تعمل منذ سنوات على التأثير في القرار الأميركي، وتحديدا عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لدفع ترامب نحو مواقف تخدم أهدافا إسرائيلية بالدرجة الأولى، لا مصالح أميركية خالصة.
ويذكر في هذا السياق أن ترامب كان قد أكد عقب الضربة التي جرت في الثالث من تموز 2025، أن القوة النووية لإيران قد انتهت تماما، ما يطرح تساؤلات حول حقيقة الربط الحالي بين التصعيد وملف المتظاهرين، إذ يرى مراقبون أن ملف الاحتجاجات ليس سوى ذريعة وحجة سياسية.
بالخاتمة تقف المنطقة اليوم على صفيح ساخن، وأي خطوة نحو إغلاق مضيق هرمز ستؤثر مباشرة على ضخ النفط. كما أن أطرافا أخرى، مثل الحوثيين، قد يكون لها تأثير فاعل في توسيع رقعة المواجهة إذا ما أقدموا على إغلاق مضيق باب المندب وتعطيل جزء كبير من حركة التجارة العالمية.
وفي الخلاصة، يبدو أن الرئيس الأميركي قد صعد إلى الشجرة سياسيا وإعلاميا، لكن النزول عنها، خاصة مع شخصية وسلوك ترامب، يبقى دائما أسهل من البقاء عالقا فوقها. فالحروب قد تبدأ بقرار، لكن نهاياتها لا تكون أبدا مضمونة.
