صدر حديثًا عن دار العين عمل روائي جديد للكاتبة والروائية لنا عبد الرحمن بعنوان «ليالي سان دوني»، تواصل من خلاله مشروعها السردي المنحاز للإنسان في لحظاته الهشّة، وتقدّم قراءة أدبية عميقة لتجربة المنفى العربي، بوصفها تجربة وجودية وجمالية تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا.
تدور أحداث الرواية في ضاحية سان دوني الباريسية، التي تتحول من مجرد مكان إلى فضاء سردي نابض، تتقاطع داخله مصائر فنانين ومهاجرين عرب حملوا معهم أحلامهم المؤجلة وخساراتهم وأسئلتهم المفتوحة حول الهوية والانتماء. ومن خلال تعدد الأصوات وحساسية لغوية دقيقة، ترصد الرواية التوتر الدائم بين الذاكرة وما يُترك خلفنا، وبين محاولات إعادة بناء الذات في المنفى.
تقدّم «ليالي سان دوني» شخصيات تعيش على الهامش: أبو الطيب الناجي من الحرب والمنشغل بثورته الداخلية، يوسف الموسيقي الباحث عن وطنٍ لا يُرى، درصاف الصحفية الأفغانية التي تعيد تعريف أنوثتها وحنينها، كامي المحامية الفرنسية الهاربة من امتيازها الطبقي، عبير الأم واليوتيوبر المحاصرة بعدسة الكاميرا، ونايا ابنة الزعيم التي لم تعرف أباها. جميعهم يلتقون في مساحة واحدة، حيث تتقاطع أسئلة الحرية والنجاة والحلم.
تكشف الرواية عن وجه آخر لباريس، مدينة الظلال والهوامش، حيث تتجاور الموسيقى مع الخبز، والحب مع الخيبة، والحنين مع التمرد، لتطرح أسئلة كبرى: ما الوطن؟ ومن يملك حق الحلم؟ وكيف نصنع بيوتًا من الذاكرة حين تعجز الأمكنة عن احتوائنا؟

ويأتي هذا العمل امتدادًا لمسيرة إبداعية لافتة للكاتبة، التي نشرت سبع روايات حظيت باهتمام نقدي، وسبق أن تناولت أسئلة الهوية والمنفى والذات في أعمال مثل «ثلج القاهرة» و**«تميمة العاشقات»** و**«قيد الدرس»** و**«بودابار»**.
وتُعد «ليالي سان دوني» إضافة نوعية إلى السرد العربي المعاصر، بما تحمله من تعدد أصوات واشتباك إنساني عميق مع تجربة الهجرة، مؤكدة مكانة لنا عبد الرحمن كواحدة من أبرز الأصوات السردية العربية اليوم، ومقدمة للقارئ تجربة قراءة آسرة عن التيه بوصفه طريقًا للمعنى، وعن البيوت التي نحملها في وجداننا أكثر مما نسكنها.
