لم أرد أن أكتب أو أعلّق على ما حدث ليلة الأحد الفائت، فلا كلمة مكتوبة قد تصف المشهد المؤسف في حدث عالمي يراه مئات الملايين من دول العالم، هو نهائي كأس إفريقيا للأمم، ونهائي نسخة تاريخية غير مسبوقة في النجاح والتنظيم والملاعب والإمكانيات، نسخة أظهرت نهضة مغربية عالية السقف، وإرادة حقيقية لدولة وشعب مغربي للرّفع من شأن القارّة وليس المغرب فقط.
خسارة البلد المضيف وصاحب الأرض والجمهور للمباراة النهائية في أي بطولة، ليست بالسيناريو الجديد في كرة القدم، فمُنتخبات كثيرة أخفقت في الظفر بالألقاب على أرضها، ومنها من أُقصي قبل الوصول للنهائي، البرتغال خسرت سنة 2004 ضد اليونان، وفرنسا خسرت سنة 2016 ضد البرتغال، وإنجلترا خسرت سنة 2021 ضد إيطاليا، وغيرهم الكثير.

يُفترض في كرة القدم أنها لعبة تتّسم بالروح الرياضية التي تتقبل الخسارة قبل فرحة الفوز، وهو أمر ملموس وموجود في الواقع الأوروبي المتمرّس في كرة القدم منذ مئة عام وأكثر، وحين شاهدنا وتابعنا بطولات أوروبية وما يُقال عنها ويُكتب ويُنقل عنها داخل أوروبا وما يحدث بين الشعوب الأوروبية، فهمنا جيّدا كيف تجاوزت هذه “الأُمّة” منطق الربح والخسارة، بل وركّزت على منطق الربح فقط رغم وجود الخسارة في اللعبة.
كرة القدم هي لعبة تتداخل فيها المشاعر والعواطف والأحاسيس، وتندفع دفعة واحدة نحو الفرح أو الحزن، الشغف أو الغضب. ولكن، يُفترض أيضا أن يكون نطاق هذه المشاعر الجيّاشة هو المباراة، وحين تنتهي بأي نتيجة كانت، يتصافح اللاعبون والجمهور في جو إنساني، كان الهدف منه هو المتعة والترفيه وليس العنف والتحريض.
في إفريقيا، وفي العالم العربي، يبدو أن الأمر مُعاكس تماما لكل ما يحدث بين شعوب الأرض. هنا، كرة القدم ليست مجرّد لعبة، بل سياسة وواجهة دول وشعوب، ورمز انتصار وتفوّق بين الشعوب وحتى الأنظمة السياسية (غير العاقلة منها)، وبين من جعل منها قاطرة للتنمية ورافعة اقتصادية وآخرون مجالا للتنفيس عن الغضب الاجتماعي والتغطية على المشاكل الاقتصادية والسياسية.

في كأس إفريقيا الأخيرة، كان السقف التنظيمي عاليا جدا، وكانت مملكة المغرب مساحة لتلاقي الشعوب الإفريقية والعربيّة على اختلاف أجناسها وأديانها، على اعتبار المناسبة هي حضارية وإنسانية قبل أن تكون رياضية وتنافسية، ورغم ذلك خرجت بعض الأصوات الرسمية لدول يُفترض أنّها “شقيقة” لضرب وطعن الجار الشقيق، وخرجت بخطاب بعيد كل البُعد عن الرياضة وروحها قبل “الأخوة”، وشنّت حملة إعلامية مدروسة وشعواء تمكّنت من استدراج الشعوب بكل نخبها إلى مستنقع الأحقاد الآسن.
أتحدث هنا عن الجزائر بكل وضوح، من موقع مؤسسة إعلامية يقرأها الأشقاء الجزائريون ويُتابعونها جيّدا، وجرى تأسيسها لأجل بناء جسور التواصل والارتقاء بالنقاش، وأقول إنّ ما قدّمه الإعلام الجزائري الحكومي وغير الحكومي عن المغرب لا توجد كلمة قبيحة تصف قُبحَه، ولا يُضحك أحد سوى أمم العالم الآخر التي لا ترى في أمّتنا سوى الضعف والضحالة والتناحر، وإذ يتمّ تجييش شعب بأكمله ضد جاره والاستثمار في العداء بكل الوسائل، ووصل الأمر حدّ الخروج للاحتفال في العاصمة الجزائر بخسارة المغرب لقب كأس إفريقيا، وتلقين أطفال مؤسسة تعليمية خطاب الكراهية ضد المغرب، فإن ما حدث هو سابقة من نوعها لم يُشهد لها مثيل، وما جرى ترويجه من سرديات عدوانية وكاذبة ومن الضروري جدّا أن يتوقّف عند هذا الحد.
لا أقول هذا الكلام، تنفيسا عن الخسارة المؤلمة لمباراة نهائي كأس إفريقيا في عقر الدار، والتي هي الأخرى شهدت انعدام روح رياضية من طاقم منتخب السنغال وجمهوره الذي قام بأعمال شغب وعنف وتخريب غير مبرّر أفسد به العرس الكروي، وخبث ممنهج نجح في إرباك اللاعبين المغاربة وإخراجهم كليا من المباراة وتلك قصة أخرى…، لكن أقول هذا، تحذيرا من دروس قاسية قادمة على أبناء منطقتنا إن استمرّ هذا الاستثمار في الحقد والتناحر، ولنا من الاطلاع على تاريخ الحروب والدروس القاسية في كل أصقاع العالم ما يكفي لكي ننتبه جيّدا، ونحذر أشد الحذر، ونوبّخ كل فرد ومؤسسة في أي بلد كان، مصمّم على التلاعب بالسلم والأمن الاجتماعي والسياسي والحضاري، ويدغدغ مشاعر الناس بسرديات الكذب والزور وخطاب الكراهية تحت غطاء الوطنية والمصلحة العليا والسيّادة الشوفينية الكاذبة.
ومثلما نلقي اللوم على بعض الأصوات غير العقلانية وغير الحضارية في الجزائر، فإنه وبنفس القدر نلوم بعض الأصوات المغربية التي كان أصحابها ينتظرون هذا الخطاب، فقط ليبثّوا سموما مشابهة في عقول المغاربة، كردّ فعل على الإساءة من الآخر، في مشهد يجعل من الجميع أضحوكة لدى الأمم الأخرى، ويزوّر كل التاريخ والذاكرة، ويؤكّد على أن العرب فعلا هم خارج نطاق هذا العصر العالمي الذي تبني فيه دول وشعوب أخرى ذاتها وتُثبّت أقدامها في الخريطة الدولية بالقوة والعلم والمعرفة والتحالف أيضا.
إن الخطورة في كل ما حدث وما يحدث، لا تكمن في الحاضر الحالي، بل في المستقبل بأجياله الصّاعدة، الذي سيُمسك بزمام الأمور في السياسة والاقتصاد وستكون له ذاكرة حيّة يُفترض أن تحميه، وندعو من موقعنا ومكاننا إلى التوقف الفوري عن إنتاج ذاكرة معطوبة ومثقوبة للجيل القادم، لأنّ الخطر والدرس الزمني القاسي حين سيأتي بسبب هذه السلوكيات غير المسؤولة، سيدفع الكل إلى حافة الهاوية وسيبقى الجميع بلا ذاكرة، بل ولن يبقى حتى الهواء الذي نفخت به كرة القدم.
