د. ماريز يونس (استاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية)

أصبح إطلاق مؤشرات إعلامية سنوية تحمل عناوين من قبيل “الأهم”، و”الأكثر تأثيرًا”، و”أفضل خمسين” أو “مئة شخصية”، ظاهرة متكررة في المشهد الإعلامي العربي. وغالبًا ما تُقدَّم هذه المؤشرات في صيغ احتفالية توحي بالتمثيل الشامل والموضوعية، من دون أن تُرفق بأي شرح منهجي واضح يبيّن المعايير المعتمدة، أو آليات الاختيار، أو الجهات التي تقف خلف عملية التقييم، أو حتى التعريف المفهومي لماهية “الأهمية” نفسها في سياق إعلامي معقّد ومتعدد المستويات كالواقع العربي.
هذا الغياب للشرح عند إطلاق مثل هذه المؤشرات، يتم التعامل معه كأمر بديهي، وكأن المؤشر يمتلك شرعيته الذاتية بمجرد صدوره، وليس بما يقدمه من حجج. غير أن ما يلفت النظر منذ اللحظة الأولى هو التناقض الصارخ بين ما يدّعيه المؤشر من تمثيل لأهم الفاعلين الإعلاميين، وبين الواقع الفعلي لحقل الإعلام العربي كما يُعاش ويُمارس يوميًا. فالقائمة، عند تفحّصها، تكشف عن غياب عدد كبير من الإعلاميين المعروفين بتأثيرهم الحقيقي، وحضورهم النقدي وتاريخهم ومصداقيتهم والتزامهم برسالة الإعلام وأخلاقياتها المهنية. في المقابل، تحضر أسماء أخرى لا تمتلك، وفق أي معيار مهني واضح، وزنًا إعلاميًا يتناسب مع موقعها المفترض ضمن تصنيف “الأهم”.
هذا التناقض يمس جوهر الفكرة التي تقوم عليها مثل هذه المؤشرات اليوم. فحين تُدرج أسماء ذات حضور محدود أو تأثير ضعيف، ويُستبعد فاعلون مركزيون في المجال، يصبح السؤال حول طبيعة الاختيار أكثر أهمية من السؤال حول الأسماء نفسها. فالإشكالية هنا بنيوية، إذ تعكس واقع الحقل الإعلامي الذي يعاد تشكيله وفق منطق لا علاقة له بالفعالية الإعلامية بقدر ما له علاقة بالتموضع داخل شبكات معينة من القبول والاعتراف. وبالتالي، تُستخدم هذه المؤشرات بوصفها أداة لإنتاج الشرعية داخل الحقل الإعلامي نفسه، خارج أي اعتبار لوظيفة المؤشرات الحقيقة كأدوات قياس محايدة. ووفق هذه الاعتبارات، تُمنح الأهمية على أساس موقع الشخص داخل شبكة معقدة من العلاقات والاصطفافات والاعترافات المتبادلة، بدلاً من اعتماد معايير حقيقية ترتبط بجودة العمل الإعلامي والاستقلالية المهنية، أو عمق التأثير الاجتماعي. بهذا المعنى، يصبح المؤشر جزءًا من لعبة القوة داخل الحقل، لا أداة لقراءته من الخارج. فمن يملك سلطة التصنيف يملك سلطة منح الشرعية و”الأهمية”، ومن يُستبعد يُدفع إلى الهامش الرمزي، حتى لو كان تأثيره الفعلي أكبر بكثير ممن أُدرجوا. وهكذا يتحول التصنيف إلى فعل سلطة بامتياز يستخدم لتزييف الواقع وإعادة إنتاجه باستمرار.
في هذا السياق، لا يعود غياب الإعلاميين النقديين أو الاستقصائيين أو المستقلين أمرًا مفاجئًا أو عرضيًا، حيث يصبح منسجمًا تمامًا مع الوظيفة غير المعلنة للمؤشر. فهؤلاء، بحكم موقعهم النقدي أو استقلالهم المهني، يقفون غالبًا خارج شبكات القبول المؤسسي، ولا يندمجون بسهولة في منظومات العلاقات التي تنتج هذا النوع من التصنيفات. بل في الغالب، يشكّل وجودهم عنصر إزعاج لأنه يهدد استقرار الخطاب السائد.
لذلك تُقصيهم مثل تلك المؤشرات لأنهم غير قابلين للاحتواء أو الضبط، في حين تُدرج أسماء “آمنة”، منسجمة مع الخط العام، لا تشكّل خطرًا على التوازنات السياسية أو الإعلامية القائمة، حتى لو كان تأثيرها الفعلي محدودًا أو حضورها أقرب إلى التمثيل الشكلي. هكذا يتحول المؤشر إلى أداة فرز غير معلنة بين من يُسمح لهم بتمثيل الإعلام، ومن يُفضَّل بقاؤهم خارج الصورة.
ما يجري في هذه الحالة هو إعادة إنتاج مستمرة للنخب الإعلامية نفسها، لا الكشف عن فاعلين جدد أو الاعتراف بأشكال تأثير غير تقليدية. فالمؤشر لا يبحث عن الأهمية بقدر ما يصادق على ما هو مقبول مسبقًا، ويمنحه غلافًا رمزيًا جديدًا. بهذا المعنى، تتحول الأهمية من وظيفة اجتماعية نقدية، يفترض أن ترتبط بدور الإعلام في مساءلة السلطة وتوسيع أفق النقاش العام، إلى موقع تمثيلي يُمنح لمن يجيد لعب دور “الوجه المقبول”. تتحول المكانة الإعلامية إلى نوع من المكافأة على الانضباط داخل المنظومة، لا على الخروج عليها أو مساءلتها،ما يؤدي إلى إفقاد الإعلام إحدى وظائفه الأساسية. .
يزداد هذا الخلل وضوحًا حين يُختزل مفهوم التأثير الإعلامي في مؤشرات شكلية يسهل قياسها، مثل الحضور الرسمي، أو القرب من المؤسسات، أو الظهور المتكرر في مناسبات محددة، بينما يُستبعد ما يصعب قياسه، مثل جودة المحتوى، أو الجرأة التحريرية، أو الأثر التراكمي طويل المدى على الوعي العام. هذا الاختزال يعيد تشكيل التوقعات المهنية نفسها. فحين تُكافأ السطحية المنظمة، ويُهمَّش العمق النقدي، يُعاد توجيه الحقل بأكمله نحو نماذج أكثر أمانًا وأقل إزعاجًا. يصبح الهدف الحفاظ على حضور مقبول داخل فضاء مضبوط سلفًا، وليس إنتاج معرفة أو مساءلة.
بناء على ما تقدم، يتحول المؤشر إلى طقس رمزي واعتراف جماعي ومشهدًا احتفاليًا يضفي على الاختيارات طابعًا قدريًا، كأنها نتيجة طبيعية لا قرارًا بشريًا قابلًا للنقد.
وهنا تتجاوز الخطورة مسألة تزييف ترتيب الأسماء، إلى المساهمة في تطبيع نموذج إعلامي خاضع، ومؤطر، يُقدَّم بوصفه النموذج الأعلى للتأثير والنجاح. وهذا التطبيع يؤثر في صورة الإعلاميين كما في وعي الجمهور نفسه، الذي يُعاد تشكيل فهمه لماهية الإعلام ودوره ووظيفته في المجتمع.
