على مدى السنوات الماضية، راهنت الولايات المتحدة على إمكانية إسقاط النظام الإيراني من الداخل، عبر الضغوط الاقتصادية القصوى، والعقوبات الخانقة، وتضخيم الاحتجاجات الشعبية ضمن ما يُعرف بسيناريو “الثورات الملونة”. غير أن هذه المقاربة اصطدمت بواقع بنيوي خاص بالمجتمع الإيراني، الذي رغم تنوعه العرقي والثقافي بين فرس وأذريين وعرب وأكراد، بلوش وتركمان وغيرهم، يمتلك قدرة عالية على الالتفاف حول الدولة عند الشعور بتهديد خارجي مباشر. وقد ظهر ذلك بوضوح في محطات مفصلية، كأحداث 2009، أو بعد اغتيال قاسم سليماني، حيث تحوّلت الصدمة إلى عنصر تعبئة داخلية لا إلى عامل انهيار.
بمرور الوقت، أثبتت إيران أنها قادرة على امتصاص الصدمات المتتالية. فالنظام لم يسقط رغم العقوبات غير المسبوقة، ولا رغم الضغوط الدولية، ولا حتى في ظل احتجاجات دامية ومفتوحة. على العكس، راكم خبرة كبيرة في إدارة الأزمات، سواء عبر تشديد أدوات الضبط الداخلي، أو عبر إعادة التموضع إقليمياً وتعزيز شبكات النفوذ والتحالفات، بما في ذلك تطوير قدرات سيبرانية وتقنية مكّنتها من تحييد أدوات ضغط غير تقليدية.
في هذا السياق، تبدو تهديدات دونالد ترامب أقرب إلى أدوات ضغط سياسية وإعلامية منها إلى نية فعلية لخوض حرب شاملة. فالخطاب التصعيدي لم يكن مترافقاً مع استعداد استراتيجي لتحمّل كلفة مواجهة مفتوحة مع إيران، لا سيما في ظل إدراك واشنطن أن أي حرب من هذا النوع ستكون مكلفة، طويلة، ونتائجها غير مضمونة، خصوصاً مع وجود دعم صيني–روسي لإيران، ولو كان غير مباشر.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن استبعاد لجوء الولايات المتحدة إلى أنماط تصعيد غير مباشرة، سواء عبر القيام بعمل عسكري في ساحات بعيدة أو غير متوقعة، كغرينلاند أو كوبا أو مسارح جيوسياسية أخرى، أو عبر استخدام أدوات تكنولوجية كوسائل ضغط بديلة. غير أن إيران أظهرت قدرة على تعطيل أو تحييد بعض هذه الأدوات، بما في ذلك التشويش على خدمات ستارلينك الأميركية، التي استُخدمت لدعم المتظاهرين وتأمين الاتصالات خارج سيطرة الدولة، ما شكّل مؤشراً إضافياً على تطور أدوات المواجهة غير التقليدية لديها.
إضافة إلى ذلك، تمتلك إيران أوراق قوة جيواستراتيجية حساسة، أبرزها موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً. مجرد التلويح بإغلاق هذا المضيق كفيل بإحداث ارتباك في الأسواق الدولية ورفع أسعار الطاقة عالمياً، وهو ما تدركه طهران جيداً وتستخدمه كورقة ردع وضغط دون الحاجة إلى تنفيذ فعلي.
وعسكرياً، لا يمكن فصل إيران عن شبكة نفوذها الإقليمي. فامتلاكها أدوات رد غير مباشرة في لبنان واليمن والعراق ، يمنحها قدرة على توسيع أي مواجهة محتملة وتحويلها إلى صراع إقليمي واسع، قد يطال القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة. هذا الواقع يجعل أي خيار عسكري ضدها محفوفاً بمخاطر الانفلات والتصعيد المتبادل.
انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن إيران اليوم ليست أضعف مما كانت عليه سابقاً، بل على العكس، خرجت من سنوات الضغط وهي أكثر استعداداً، وأكثر خبرة، وأكثر قدرة على خلق توازن ردع، حتى في أحلك الظروف. أما السؤال الجوهري: هل تحتمل المنطقة حرباً شاملة؟ فالجواب الواقعي أن جميع الأطراف تدرك أن كلفة الانفجار الواسع ستكون كارثية على الإقليم برمّته، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
وعليه، يبدو أن ما نشهده اليوم هو تصعيد محسوب، وبروباغندا سياسية وإعلامية متبادلة، أكثر منه تمهيداً فعلياً لحرب شاملة. فالتوتر قائم، والتهديد حاضر، لكن سقف المواجهة لا يزال مضبوطاً بقواعد الردع والمصالح المتقاطعة، في انتظار تسوية أو إعادة توازن، لا انفجاراً كبيراً.
