شكّلت إيران، عبر تاريخها الحديث، ركناً أساسياً في توازنات الشرق الأوسط، إلا أن موقعها الاستراتيجي شهد تحولاً جذرياً بعد الثورة الإسلامية عام 1979. فبعد أن كانت في عهد الشاه حليفاً موثوقاً للولايات المتحدة وإسرائيل وركيزة في منظومة الاحتواء الغربي خلال ذروة الصراع العربي–الإسرائيلي، أعادت الجمهورية الإسلامية تموضع إيران إقليمياً ودولياً، ما أدى إلى قطيعة حادة مع الغرب وصدام مباشر مع إسرائيل، وانخراط متزايد في ما يُعرف بمحور المقاومة.
أفضى هذا التحول إلى جعل النظام الإيراني هدفاً دائماً لمحاولات الاحتواء والإضعاف، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو العمليات الاستخباراتية أو استراتيجيات زعزعة الاستقرار الداخلي. وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الرهان على الاحتجاجات الداخلية و«الثورات الملوّنة» كأداة للتغيير السياسي، بالتوازي مع خطاب غربي وإسرائيلي يدعو إلى إعادة إيران إلى موقع “الحليف الاستراتيجي” في حال إسقاط النظام القائم. غير أن هذا المسار ترافق مع إدراك متزايد لمحدودية خيار المواجهة العسكرية المباشرة، لما يحمله من مخاطر انفجار إقليمي واسع.
في هذا السياق، برز تحول نوعي في أدوات الضغط تمثّل في استبدال الحرب العسكرية بالحرب الاقتصادية. فقد أعلن دونالد ترامب أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران ستُفرض عليها تعريفة جمركية بنسبة 25% على تعاملاتها مع الولايات المتحدة، في خطوة تعكس توظيف الاقتصاد كسلاح جيوسياسي عابر للحدود. إلا أن آثار هذه السياسة لا تقتصر على إيران وحدها، بل تمتد لتقويض أسس النظام التجاري العالمي، وتُضعف الثقة بقواعده، وتُسرّع تشكّل تكتلات اقتصادية بديلة، تقودها دول بريكس، ما يدفع العالم نحو مزيد من الانقسام الاقتصادي ويُقربه من نموذج دولي متعدد الأقطاب.
ولا يُنظر إلى تهديد استقرار إيران، في هذا الإطار، بوصفه شأناً إقليمياً فحسب، بل كعامل مؤثر في توازن القوى الدولي، لا سيما على المحور الممتد من شرق آسيا مروراً بروسيا وصولاً إلى الشرق الأوسط. فمن هذا المنظور، تُعدّ إيران عنصراً بنيوياً في منظومة دولية تسعى إلى الحد من الهيمنة الأحادية وإعادة توزيع مراكز القوة.
ضمن هذه المعادلة، تنظر الصين إلى إيران بوصفها شريكاً استراتيجياً يمس أمنها القومي ومصالحها الحيوية، وتتعامل معها باعتبارها “خطاً أحمر” لا يمكن التفريط به. ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات تتعلق بأمن الطاقة، وبالموقع الجغرافي المحوري لإيران ضمن مشروع “الحزام والطريق”، إضافة إلى دورها في موازنة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. كما تعكس اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الممتدة لـ25 عاماً التزاماً صينياً طويل الأمد يشمل الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والأمن، فضلاً عن اعتبار إيران سوقاً واعدة للاستثمارات الصينية في ظل عزلتها عن الغرب.
ويعتمد الدعم الصيني لإيران مقاربة غير مباشرة، تقوم على الدعم السياسي في المحافل الدولية، والتعاون التقني والأمني، ولا سيما في مجالات الاتصالات والأمن السيبراني، من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن أي صدام عسكري واسع مع إيران قد يفجّر الإقليم ويستدعي ردود فعل غير متوقعة من قوى كبرى مثل الصين وروسيا، ما يفرض قيوداً بنيوية على خيارات التصعيد.
في الخلاصة، إن اعتبار إيران “خطاً أحمر” في استراتيجية “التنين الصيني” يتجاوز المصالح الثنائية ليعكس صراعاً أوسع على شكل النظام الدولي. فتهديد استقرار إيران أو إسقاط نظامها لا يُنظر إليه في بكين وموسكو بوصفه مسألة داخلية أو إقليمية، بل كتهديد مباشر لمشروع دولي بديل يقوم على تعددية الأقطاب وتقليص الهيمنة الأمريكية، في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
