تثير سياسات دونالد ترامب جدلاً واسعاً حول طبيعة النظام الدولي الذي يسعى الى ترسيخه او التعامل معه، فبعيدا عن الحديث الشعبوي واللغة الصدامية يمكننا رصد منهجية متكاملة لرجل البيت الأبيض تقوم على اضعاف مفهوم الدولة الوطنية التقليدية، وتقويض التحالفات الاقليمية والدولية وتغيير تعريف السيادة بوصفها عادة مبتذلة باهتة تشكل عبئا اقتصاديا لا قيمة سياسية لها في عصر الانفتاح والشراكة. هذه المنهجية لا تستهدف دولة بعينها بل تطال منظومات كاملة من الاتحادات الاوروبية والخليجية والافريقية والعربية واللاتينية، حتى وصولا الى حلف شمال الاطلسي، بهدف اعادة تشكيل العالم وفق منطق الشركات والتكتلات الاقتصادية لا منطق الدول والتحالفات السياسية.
فمنذ حملته الانتخابية الأولى (السابقة) قدم ترامب نفسه باعتباره رجل اعمال لا رجل دولة، هذا التعريف لم يكن شكليا بل سرعان ما عكس رؤية كاملة للعلاقات الدولية تقوم على مبدأ الكسب المادي والخسارة المادية، لا على مفاهيم دولية مثل الامن الجماعي او القيم المشتركة او القانون الدولي، فبدت الدولة في نظره كيانا غيرعملي بل مثقلاً بالبيروقراطية والالتزامات والبروتوكولات، فيما الشركة هي النموذج الامثل: مرنة، ربحية، قابلة للتفكيك والدمج، وخاضعة لمنطق السوق والأكثر من ذلك سهلة التحالف و فك التحالفات وتبديل الحلفاء وفق المكاسب.
اولى ساحات تطبيق هذه المنهجية كانت الاتحاد الأوروبي، حيث تعامل ترامب مع الاتحاد لا بوصفه شريكا استراتيجيا، بل وجده منافسا اقتصاديا يستغل ويأخذ من درب الولايات المتحدة، فدعم بشكل غير مباشر التيارات القومية والشعبوية في اوروبا، وهاجم المانيا وفرنسا وبارك خروج بريطانيا من الاتحاد، معتبرا ان التفكك الاوروبي يصب في مصلحة واشنطن التجارية، الهدف لم يكن اسقاط أوروبا بل تحويل دولها الى وحدات تفاوضية منفردة، يسهل اخضاعها لاتفاقات تجارية غير متكافئة، بدل التفاوض مع كتلة موحدة تمتلك وزنا اقتصاديا وسياسيا.
المنهجية ذاتها انسحبت على حلف شمال الأطلسي، فلم ينظر ترامب الى الناتو كتحالف امني استراتيجي بل كمؤسسة خاسرة لن يسمح لها ان تستنزف المال الأميركي، فبدأ يشكك في جدواه ثم هدد بالانسحاب منه وابتز الدول الاعضاء مالياً تحت شعار تقاسم الأعباء، حقيقة هذا السلوك اضعف الثقة بالحلف كله وضرب اسس الردع الجماعي الأوروبي الأميركي، وفتح الباب امام تفكيك تدريجي لدوره او على الاقل تحويله من تحالف سياسي عسكري الى منصة خدمات امنية مدفوعة الثمن.
في الخليج، لم يكن الموقف مختلفا، تعامل ترامب مع دول مجلس التعاون الخليجي كخزائن مالية وشركات استثمارية، لا كدول ذات سيادة، فربط الحماية الاميركية بالدفع المباشر، وشجع الانقسامات البينية بدلاً من تعزيز التكامل الخليجي جرى تحويله الى ساحة تنافس اقتصادي وصفقات سلاح بما يضعف فكرة الاتحاد ويعزز منطق الدولة الفردية التابعة اقتصاديا وامنيا.
اما في العالم العربي، فقد جاءت سياسات ترامب لتكمل مسارا طويلا من اضعاف الدولة الوطنية، فالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وشرعنة ضم الجولان ودعم التطبيع خارج اطار حل الدولتين، كلها خطوات اسقطت مفهوم السيادة العربية لصالح وقائع اقتصادية وامنية جديدة في هذا الاطار، لم تعد الدولة العربية ولا جامعة الدول العربية كيانا سياسيا مستقلا، بل سوقا مفتوحة، او عقدة جغرافية في مشاريع الطاقة والتجارة، او شركة خدمات امنية تعمل ضمن منظومة اكبر.
في افريقيا واميركا اللاتينية، اتخذت المنهجية شكلا اكثر وضوحا انسحب ترامب من العديد من الالتزامات التنموية، وقلص الدعم للمؤسسات متعددة الاطراف، وتعامل مع الدول الضعيفة كفرص استثمارية في الموارد الطبيعية، لا كشركاء سياسيين، هذا التوجه ساهم في اضعاف الاتحادات الافريقية واللاتينية، وعزز منطق التبعية الثنائية بدلا من العمل الجماعي، ما يجعل كل دولة عرضة للضغط والابتزاز الاقتصادي.
جوهر هذه المنهجية يتمثل في استبدال التحالفات الاقليمية السياسية بتكتلات تجارية واقتصادية مرنة، فبدلا من اتحادات تقوم على التضامن والسيادة المشتركة يطرح نموذج اتفاقات تجارية قصيرة الاجل قابلة للتعديل او الإلغاء و تخدم مصالح الطرف الأقوى، في هذا النموذج تتحول الدولة الى شركة منتجة: وظيفتها تأمين المواد الخام، والاسواق، واليد العاملة، مقابل الحماية او النفاذ الى السوق الاميركية.
هذا التحول له تبعات عميقة على مفهوم السيادة، فالسيادة لم تعد تعني القدرة على اتخاذ قرار سياسي مستقل، بل القدرة على جذب الاستثمارات وتحقيق الأرباح، الدول التي تفشل في ذلك تصبح عبئا، قابلة للتهميش او التفكيك او الضم او الطم او اعادة الهيكلة ، لا يعود تفكيك الدول هدفا بحد ذاته، بل نتيجة طبيعية لمنهجية السوق حين تطبق على السياسة.
الخطورة في هذا المسار لا تكمن فقط في اضعاف الدول، بل في تفكيك النظام الدولي نفسه، فمع تراجع دور المؤسسات متعددة الاطراف وغياب القواعد الناظمة ودور المنظمات الدولية يصبح العالم ساحة صفقات بدلاً من منظومة قانونية فالاقوياء يفرضون شروطهم والضعفاء يتحولون الى وحدات وظيفية منتجة بلا حماية حقيقية.
في الخلاصة، يمكن القول ان منهجية ترامب لا تقوم على الفوضى العشوائية، بل على رؤية متكاملة ترى العالم كسوق كبرى، والدول كشركات والتحالفات كعقود قابلة للالغاء، هذه الرؤية قد تحقق ارباحاً قصيرة المدى للولايات المتحدة او للنخب الاقتصادية المرتبطة بها، لكنها تبشر بفوضى دولية بسبب التفكك للسيادة وانهيار لفكرة الدولة بوصفها قراراً سياسيا جامعاً وبين عالم التحالفات السياسية وعالم التكتلات الاقتصادية ترامب اختار الثاني، ولو كان الثمن تفكيك الاول بالكامل.
قراءة في الاحداث الساخنة من فنزويلا الى اوكرانيا وفق منطق الدولة ـ الشركة
لا يمكن فهم هذه المنهجية بمعزل عن الاحداث الدولية المتسارعة، فالمنهجية لم تكن مجرد سياسات ظرفية بل رؤية عميقة لاعادة هندسة النظام الدولي، هذه الرؤية التي تقوم على اضعاف مفهوم الدولة ذات السيادة، وتفكيك التحالفات، وتحويل الدول الى شركة، نجد ان الاحداث الساخنة الجارية اليوم من فنزويلا الى ايران، ومن سوريا الى أوكرانيا الى الصومال واليمن ليست انفصالا عن هذه المنهجية، بل تجليات عملية لها.
ففي فنزويلا يمكن قراءة اختطاف وازاحة الرئيس نيكولاس مادورو ضمن اطار تفكيك الدولة غير المنسجمة مع نموذج السوق الأميركي، بغض النظر عن ملف النفط الفنزويلي، فالعقوبات لم تكن فقط اداة ضغط سياسي بل كانت وسيلة لتجفيف موارد الدولة ودفعها نحو الانهيار الوظيفي وتقليب الشعب على الحاكم ، فتصبح الدولة عاجزة عن ادارة سيادتها، ومضطرة للقبول باعادة هيكلة اقتصادية تفتح قطاع النفط امام الشركات العابرة للقومية في هذا النموذج، فتاخذه الشركات الامريكية، ولا يهم من يحكم بل كيف يدير الموارد ومن يسيطر عليها.
اما ايران، فان الضربات العسكرية العام الماضي والعمليات الامنية المتكررة ضد منشآتها و الثورات الشعبية الناتجة من اختناق المواطنين لا تهدف حصرا الى ردع عسكري ضد ايران بل الى منع ان تكون ايران دولة اقليمية ذات سيادة استراتيجية مكتملة، فكان انسحاب ترامب من الاتفاق النووي ليس مجرد قراراً سياسياً بل جزء من منهجية تهدف الى اعادة ايران الايدولوجية العميقة الى موقع الدولة المحاصرة اقتصاديا غير القادرة على التحول الى قطب مستقل، فالمطلوب ليس اسقاط النظام وتدمير المنشآت النووية فحسب بل دفع ايران الى التحول لدولة تفاوض كشركة ليس لها قيود دينية ولا سياسية فتقدم تنازلات اقتصادية مقابل البقاء.
في سوريا، تشكل معركة قسد نموذجا اكثر وضوحا لتحويل الجغرافيا الى كيان وظيفي، فالدعم الاميركي لقسد لم يكن نابعا من رؤية لبناء دولة كردية مستقلة، بل لانشاء اقليم امر واقع، منفصل وظيفيا عن الدولة السورية، يسيطر على منابع النفط والغاز والزراعة، هذا الاقليم لا يمتلك سيادة سياسية كاملة، ولا اعترافا دوليا، لكنه يؤدي وظيفة اقتصادية وامنية محددة، ويمنع اعادة توحيد الدولة السورية ككيان مركزي قوي، هنا تتجسد فكرة تفكيك الدولة دون اعلان رسمي، وتحويل اجزائها الى شركات جغرافية منتجة.
في القرن الافريقي، يبرز ملف صوماللاند كنموذج اخر، دعم مشاريع الاعتراف بصوماللاند لا ينطلق من احترام حق تقرير المصير، بل من الرغبة في تفكيك الدولة الصومالية الهشة وتحويل موانئها ومواقعها الاستراتيجية على البحر الاحمر الى نقاط استثمارية وتجارية وعسكرية وقواعد صاروخية، الاعتراف المحتمل بصوماللاند يعني خلق كيان اقتصادي منفصل، قابل للتعاقد المباشر مع القوى الكبرى، بعيدا عن اي اطار سيادي وطني جامع.
اما الحرب بين روسيا واوكرانيا، فهي المثال الاكثر تعقيدا، فرغم ان ترامب لم يكن في السلطة عند اندلاع الحرب، الا ان مقاربته لها تعكس منهجيته فهو لا ينظر الى اوكرانيا كدولة ذات سيادة يجب الدفاع عنها بل كعبء اقتصادي وامني على الغرب، وتشكيكه المستمر بدعم أوكرانيا وانتقاده للناتو يعكسان رؤية تعتبر ان الحرب فرصة لاعادة رسم التوازنات الاقتصادية، لا لحماية النظام الدولي. في هذا السياق يجري استنزاف اوكرانيا، وتفكيك اقتصادها وبنيتها، بحيث تصبح في النهاية دولة معتمدة بالكامل على المساعدات والاستثمارات الغربية، اي شركة اعادة اعمار كبرى.
روسيا بدورها ليست خارج هذا المنطق، فالعقوبات الغربية رغم بعدها السياسي، تهدف ايضا الى ضرب قدرة الدولة الروسية على العمل كقطب مستقل، ودفعها اما الى الانكفاء او الى التحول الى مورد طاقة خام يخضع لشروط السوق، الحرب هنا ليست فقط صراعا جيوسياسيا بل اداة لاعادة هيكلة الدول المتصارعة اقتصاديا ووظيفيا.
ضمن هذا المشهد، يتضح ان الاتحادات الاقليمية هي الضحية الاولى. الاتحاد الاوروبي يعاني من تصدعات داخلية بسبب الحرب الاوكرانية، وازمات الطاقة والضغوط الاقتصادية ما يعيده الى منطق الدول القومية المنفردة والاتحاد الافريقي عاجز عن بلورة موقف موحد، والجامعة العربية شبه مشلولة، ومجلس التعاون الخليجي تعرض لاهتزازات عميقة سيما بدخول الامارات الى اليمن، هذا التفكك ليس عرضيا بل يخدم المنهجية التي ترى في الكتل الكبرى عائقا امام الصفقات التجارية والاقتصادية الثنائية.
البديل المطروح لفكرة السيادة الكلاسيكية هو فهوم القدرة التنافسية، فالدولة التي لا تنتج ولا تسيطر على مواردها ضمن شروط السوق العالمي تصبح مرشحة للتفكيك اوالضم او التقسيم الوظيفي.
في الخلاصة، الاحداث الساخنة من فنزويلا الى ايران، ومن سوريا الى صوماللاند، ومن اوكرانيا الى روسيا، ليست ازمات منفصلة، بل حلقات في مسار واحد، مسار يسعى الى تفكيك الدولة الوطنية، واسقاط السيادة السياسية، واستبدالها بسيادة اقتصادية مشروطة، منهجية ترامب لن تنته بخروجه من الحكم انها تحولت الى نمط تفكير عالمي جديد لا عودة فيه، وستستمر إعادة انتاجه بأدوات مختلفة، والخطر الاكبر لا يكمن في تفكك الدول فحسب، بل في تفكك فكرة الدولة ذاتها، لصالح عالم تحكمه الشركات وتدار فيه الجغرافيا كدفاتر حساب.
