الذاكرة الإفريقية حيّة ولم تمت، هذا ليس شعارا سياسيا أو ثقافيا، بل هو فعل تقوم به الشعوب الإفريقية في المناسبات العالمية والقارية الكبرى التي تحظى بمتابعات عالمية، وفي كأس إفريقيا الحالية بالمغرب، تجسّدت بقوة هذه الذاكرة بين الجماهير، ورسائل قوية عن الحرية والإنسان والعدالة التاريخية.
في مباريات منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي أُقصيت يوم أمس في ثمن النهائي بعد خسارتها ضد الجزائر، برز تمثال حيّ لشخصية تاريخية، لها بصمة قوية في ذاكرة البلد والقارّة، هو رئيس الوزراء الكونغولي الأول بعد الاستقلال باتريس لومومبا.
باتريس لومومبا، الرجل الذي قاد الحركة الوطنية ضد الاستعمار البلجيكي وأصبح أول رئيس وزراء منتخب في يونيو/حزيران 1960، قبل اغتياله في يناير/كانون الثاني 1961، عاد إلى الحياة مجدّدا حين جسّده المشجّع ميشيل كوكا مبولادينغا، الذي ظلّ واقفا خلال كل مباراة، رافعا يده اليسرى إلى الأعلى، مقلّدا بذلك الوقفة الشهيرة للرئيس لومومبا التي تحوّلت لتمثال.

المشهد ذو الحمولة التاريخية العميقة والمتجذرة في تاريخ إفريقيا، ليس جديدا في بطولة كأس إفريقيا، فهذا المشجّع الكونغولي اعتاد على حضور منافسات البطولة بنفس الهيئة منذ 2012، لكنّ في المغرب هذه المرة، نال الكثير من المتابعة والزخم، الأمر الذي أعاد عدة أسئلة وأعاد الناس إلى البحث في تاريخ البلاد والقارة، وأعاد الأقلام إلى الكتابة والحفر في الذاكرة.
تُعدّ الكونغو الديمقراطية، قلب ورئة القارة الإفريقية، بمساحة تُناهز المليون كلم مربع، وعدد سكان يتجاوز المئة مليون نسمة اليوم، وهي من البلدان التي عانت كثيرا من الاستعمار البلجيكي وويلاته عليها، ولا تزال تعاني من مشاكل الاستعمار بسبب الإرث الذي تركه على الحدود مع البلدان الأخرى خاصة رواندا.
البلد الغني بالذهب والماس والغاز الطبيعي ومعادن كثيرة، هو غني كذلك بالبطولات والمعارك ضد الاحتلال لأجل التحرر والاستقلال، ولم تمت ذاكرته رغم كلّ محاولات الطمس والتزوير، وسبق لبلجيكا أن قدّمت اعتذارا عبر الملك فيليب الثاني كان تعبيرا عن الأسف العميق وليس اعتذارا رسميا سنوات 2020 و2022 عن الأذى الذي تسبّبه احتلال بلاده للكونغو، وعن سياسات ليوبولد الذي ضمّ الكونغو لممتلكات بلاده بين 1885 و1908.
وتتردّد الحكومة البلجيكية والملك عن النطق بالاعتذار الرسمي المباشر والكامل والإفراج عن الأرشيف الاستعماري، خوفا من المطالب بالتعويضات التي تُلاحقها، وخوفا من الصورة “الوحشية” التي مثّلها الاستعماري الذي تسبب في مقتل أزيد من عشرة ملايين كونغولي على مدار 85 عاما.
أمّا باتريس لومومبا، الرئيس الأول بعد الاستقلال ورمز الحركة الوطنية في البلاد، فقد ازداد سنة 1925 وخاض رحلة السياسة والتحرّر في سن مبكرة، وكان من متزعّمي حركة الاستقلال، دراسته للقانون والاقتصاد وعلاقاته العميقة مع القبائل الكونغولية، جعلت منه كفاءة سياسية تتبوأ الرئاسة في سن 34.
لم يدم نعيم الاستقلال كثيرا على الكونغو، أيّام قليلة على تنصيب لومومبا رئيسا للحكومة، حتى اشتعلت أزمة سياسية كبيرة بدأت بتمرد عسكري على السلطة، وانفصال إقليم كاتانغا، وكلّ ذلك تمّ بدعم بلجيكي محض، أُقيل على إثرها لومومبا، وجرت مطاردته وإعدامه بطريقة شنيعة على يد القوات المدعومة من بلجيكا في 17 يناير من سنة 1961، وبقيت البلاد منذ ذلك العهد تعيش على نزاعات وحروب متفرقة، بينما الثروات تُفرّق وتُسرق.
لا يُدرك المُستعمر أنّ قتل المقاوم لاستعماره، لن يقتل فكرته، أو يمسح أثره وتاريخه من الذاكرة الجمعية، لأنّها تظل حيّة وتزداد حياة مع مرور العقود والقرون من الزمن، وتبقى رسالتهم محفوظة لدى الأجيال ومستمرّة، وأن التاريخ يحتفظ بكل الألم والظلم وينتصر للمظلوم في نهاية المطاف، ولعلّ هذا ما أراد المشجع الكونغولي المجسد لشخصية لومومبا قوله وتأكيده بكل جسده وجوارحه وصمته ووقوفه دون حركة لمدة ساعتين وأكثر في كل مباراة.
ما شاهده الجمهور الكروي في ملاعب المغرب، يتجاوز كرة القدم والبطولة الإفريقية وكل شيء له علاقة باللعبة، هو رسالة إنسانية عميقة الفكر وتعريف قوي بقارة إفريقيا، القارة التي تُظلم كثيرا في هذا العالم، بينما هي القلب الناهض والحيّ لهذا العالم.
