د.محمد سليمان فايد: نعيش اليوم زمناً مرتبكاً، تتراجع فيه القيم الدولية التي تأسس عليها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، لصالح منطق فَجّ لا يعترف إلا بالقوة العارية، لم يعد احترام سيادة الدول مبدأً مقدساً، ولم تعد الشرعية الدولية مرجعية يُحتكم إليها، بل أصبحت القوة المفرطة هي الحَكَم، وأضحى من يمتلك النفوذ العسكري والسياسي قادراً على إعادة تعريف القانون بما يخدم مصالحه.
في هذا السياق، يبرز الحدث الصادم المتمثل في إقدام الولايات المتحدة، في عهد إدارة دونالد ترامب، على اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، ومحاكمته على أراضيها، في سابقة خطيرة تهز أسس العلاقات الدولية.
رئيس منتخب، ما زال على رأس السلطة، جرى التعامل معه بمنطق أمني قسري، وكأننا أمام زعيم عصابة لا رئيس دولة ذات سيادة.
هنا لا يمكن فصل الحدث عن سياقه السياسي الأوسع، ولا عن التحالفات التي تحكم قرارات واشنطن في الشرق الأوسط والعالم.
الذريعة الجاهزة كانت دائماً: المخدرات، السلاح، أو “تهديد الأمن العالمي”، لكنها ذريعة استُهلكت حتى فقدت معناها. فالمسألة، في جوهرها، ليست قانوناً ولا عدالة، بل سياسة عارية من الأخلاق، تُدار لإرضاء حلفاء بعينهم، وعلى رأسهم إسرائيل، القاعدة العسكرية الأمريكية التى تُستخدم لفرض الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وتبرير سياسات القمع والإبادة، خصوصاً كما شاعدنا في غزة، هذا التناقض الفجّ ينسف أي حديث عن منظومة أخلاقية تحكم العالم اليوم.
ما يجري لا يمكن فصله أيضاً عن اللحظة الدولية الراهنة؛ انشغال روسيا في حربها مع أوكرانيا، وتراجع قدرتها على لعب دور موازن، فتح شهية الولايات المتحدة للتصرف بوصفها القوة الوحيدة القادرة على فرض إرادتها دون رادع،وهكذا، يتحول العالم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية، تحت لافتة “الأمن القومي”.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الحدث بحد ذاته، بل ما يؤسسه للمستقبل، فإذا بات من المقبول اعتقال رؤساء دول، وتجاوز صناديق الاقتراع، وضرب السيادة عرض الحائط، فإن العالم مقبل على مرحلة من الفوضى المقننة، حيث تسقط الدول الضعيفة تباعاً، وتُعاد كتابة الجغرافيا السياسية بلغة السلاح لا القانون.
إن الرجل – أو الدولة – التي تعبث بأمن العالم، لا تهدد خصومها فقط، بل تهدد فكرة النظام الدولي نفسها. وحين تُختزل السياسة في بلطجة القوة، فإن الجميع، بلا استثناء، يصبح مشروع ضحية في عالم لم يعد يعترف إلا بمنطق الغلبة.
