يجلس الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في زنزانته الانفرادية، يحملق في السقف، ثم ينظر تارة أخرى إلى الأرض والجدران الأربعة التي هو حبيسها اليوم.
يتسأل أين الحلفاء مما هو عليه الآن، وما إن كان الكرملين قد استنفر كل مكاتبه ومسؤوليه لتحريره، أم أن قرارا صينيا كبيرا سيتخذ لإخراجه مما هو عليه الآن.
ما أقدم عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكبر من قدرة مادورو، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينج، على تخيله سابقا.
اختطاف رئيس دولة يتعارض مع مبادئ القانون الدولي والقيم الإنسانية، فما بالك أن ما حدث يجري في القرن الحادي والعشرين!
من يعيش في العصر الأميركي عليه أن يكون حاضرا دائما، وخاصة في عهد ترمب، لما هو غير متخيل وغير متوقع.
*المكالمة الفخ والاسترضاء الفاشل*
قبل أيام من اختطافه أجرى ترمب مكالمة مع مادورو، وصفها الطرفان بأنها مكالمة محترمة. ربما كانت تلك المكالمة هي الفخ الذي نصبه الرئيس الأميركي لنظيره الفنزويلي. هذا بالضبط ما فعله مع إيران حين دمر برنامجها النووي بعد أن أعطاها وعودا بالتفاوض. أبدى ودا واحتراما، لكنه كان يخطط لاختطاف الرجل.
مادورو فعل كل ما يمكن لإرضاء ترمب. عرض تقديم نفط كثير لواشنطن، والتخفيف من قوة الحضور الروسي والصيني في بلاده، وفتح الاستثمارات أمام الشركات الأميركية، وهذا بالفعل ما يريده ترمب، لكن مادورو نسي أمرا مهما، ترمب لا تحركه المصالح وحدها، بل هو أسير نرجسية تبلغ حد المرض أحيانا، لا يستطيع أن يسمع كلمة لا، ولا يقبل أن يقول له أحد ما عليه أن يفعل أو ما لا يفعل، فاعتقله وعقيلته ليزيد من نشرته بالانتقام.
اتخذ ترمب القرار ووجه “إشارة”، كما أسماها، إلى كل العالم بزعمائه وشعوبه ودوله، من يقول لا لترمب سيكون مصيره قاتما لا محالة.
الكاتب الأميركي توماس فريدمان قال إن ما جرى سيكون له تبعات كبيرة وغير محسوبة، مستحضرا النموذج الليبي. الولايات المتحدة أطاحت بالقذافي، لكنها لم تمتلك مشروعا لما بعده وهذا بالضبط ما قد يحصل في فنزويلا. أزاح ترمب مادورو، لكن هل سيقضي على باقي النظام البوليفاري، أم سيكتفي بما فعله كإشارة تحذير لنائبته_ التي ثبتتها المحكمة العليا في البلاد رئيسة لفنزويلا لحين عودة الرئيس المختطف_ والمسؤولين الفنزويليين بأن ما حل بالرئيس قد يحل بهم، والسؤال الأهم الذي يحتاج الكثير من الإجابات كيف ستدير واشنطن كاركاس كما أعلن ترمب.
ترمب لا يخفي ما يريده في فنزويلا، النفط والمعادن النادرة.
مبدأ مونرو الذي نادى به الرئيس الأميركي الأسبق مونرو، بأن أميركا الجنوبية هي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، عاد اليوم بصيغة جديدة مع ترمب، أميركا الجنوبية يجب أن تكون أميركية خالصة، لا مكان فيها للصين ولا لروسيا.
المشكلة ليست المخدرات كما تدعي الولايات المتحدة. فلو كانت كذلك، فلماذا أفرج ترمب عن الرئيس الهندوراسي الأسبق خوان أورلاندو هيرنانديز والمدان بتهريب مئات الأطنان من المخدرات إلى أمريكا، ومحكوم بأكثر من أربعين عاما. ولماذا لا يحاسب ترمب نفسه، وهو مدان من محاكم أميركية؟ لو كان هناك عدل حقيقي، لكان ترمب خلف القضبان، لا في المكتب البيضاوي.
الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، والرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، ينظران اليوم إلى ما جرى بعد أن تلقيا تهديدات مباشرة من ترمب بأن أمرهما لم يحسم بعد.
أما البرازيل بقيادة الرئيس لولا دا سيلفا، فلم ترفع الصوت بما يكفي، ويبدو أن لولا يحسب حسابا كبيرا لمغامرات ترمب.
الرئيس الأرجنتيني خافيي ميلي أيد ترمب علنا، ودعا إلى تشكيل كيان يحارب “ورم” الاشتراكية في القارة.
ستدفع موسكو وبكين ثمنا كبيرا إن لم تساند حلفائها في العالم، فالمفهوم الجيوسياسي الدولي سيغدو أميركا لا محال إن تساقط الحلفاء واحدا تلو الآخر لصالح واشنطن.
وحده الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يفهم اللعبة، وأصدر أوامره فورا بإجراء تجربة صاروخية بالستية عقب الإطاحة بمادورو. رسالة واضحة للأميركيين بأن كوريا الشمالية ليست فنزويلا، وبأن القوة وحدها التي تردع العابثين عندما يعجز القانون الدولي وأروقة المحاكم، وتسود شريعة القوة.
