اكتب الكثير عن «استراتيجية الأمن القومى الأمريكية» الجديدة، التى أصدرها الرئيس دونالد ترامب وإدارته، بعض هذه الكتابات خاصة العربية منها، تضمنت مغالطات فادحة، وترويجا لأفكار لا تعبر عن جوهر هذه الاستراتيجية، التى تعتبر تحولًا مثيرًا للجدل والخلاف داخل الولايات المتحدة نفسها، لكن هذا التحول يبقى محكومًا بالمدى الزمنى الذى ستبقى فيه هذه الإدارة فى السلطة، التى لم يعد أمامها غير ثلاث سنوات فقط، وبعدها ربما لا يكون مرجحًا أن ينجح الحزب الجمهورى فى فرض رئيس جديد للولايات المتحدة، كما أن انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى التى ستجرى فى نوفمبر المقبل، أى بعد 11 شهرًا فقط، قد تأتى بنتائج لصالح الحزب الديمقراطى، يكون فى مقدورها تقييد قدرات ترامب وإدارته فى الالتزام بنصوص هذه الاستراتيجية. هذه حقيقة مهمة من بين الحقائق التى يجرى تغييبها عن العقل العربى جهلًا أو عمدًا، إلى جانب حقائق أخرى لا تقل أهمية تتكشف من خلال الإجابة عن السؤالين التاليين:
السؤال الأول: هل ما يشاع عن تراجع الولايات المتحدة، فى «استراتيجيتها الأمنية الجديدة»، عن مشروعها للهيمنة على النظام العالمى، على النحو الذى بذلت فيه كل جهودها من أجله، منذ نهاية الحرب الباردة ونهاية النظام العالمى الثنائى القطبية بسقوط الاتحاد السوفيتى، يعتبر تراجعًا اختياريًا أم تراجعًا اضطراريًا؟ وهل هو تراجع حقيقى عن استراتيجية الهيمنة، أم هو تراجع شكلى بالتحول من سياسة المواجهة العسكرية والاستراتيجية مع القوى المنافسة على الزعامة إلى سياسة الاحتواء؟ السؤال الثاني: ما هى صحة المزاعم التى تروج لمقولة الانسحاب الأمريكى من الشرق الأوسط، أو تراجع أولوية الشرق الأوسط للولايات المتحدة فى هذه الاستراتيجية؟ هل سترحل الولايات المتحدة عن الإقليم، أم أنها ستغير فقط السياسات من فرض السيطرة الأمريكية بالقوة العسكرية، والتدخل القسرى والعنيف فى الشئون الداخلية لدول الشرق الأوسط، الذى وصل أحيانًا إلى تدمير دول (العراق وأفغانستان)، وإسقاط أنظمة (سوريا، ليبيا، السودان، الصومال، وما يجرى بخصوص إيران)، والتحول إلى سياسة «الاحتواء»، عن طريق إعطاء الأولوية لآليات اقتصادية وتكنولوجية، هدفها تكريس التبعية الاقتصادية والتكنولوجية العربية للولايات المتحدة، فى ظل هيمنة ما بات يعرف بـ «الترامبية السياسية» المتحكمة الآن فى العقل الاستراتيجى الأمريكى، والتى يديرها «تجار الصفقات»، حيث تصبح الأهداف الاقتصادية المباشرة والاستيلاء على الجغرافيا، هى المحرك الأساسى، متجاوزة الأطر الدبلوماسية والاستراتيجية التقليدية؟
وضع هذه الاستراتيجية فى سياق بيئتها الداخلية الأمريكية، وفى سياق تحولات موازين القوى العالمية، خاصة ما يتعلق بالتنافس الصينى – الأمريكى، وتفرد الصين تقريبًا بالتحكم فى سلاسل الواردات، خاصة «المعادن النادرة»، التى هى عصب الثورة الصناعية الرابعة والتكنولوجيا المتقدمة، وحالة «الإنهاك»، التى أصابت القدرات الأمريكية بالعجز عن التمادى فى دفع التكاليف الباهظة لسياسة الصراع الاستراتيجى مع الصين، تؤكد حقيقة مهمة ثانية، هى أن الانسحاب الأمريكى من استراتيجية الهيمنة المتفردة على العالم، انسحاب اضطرارى وليس اختياريًا، ولكنه، أيضًا ليس انسحابًا شاملًا، ولكنه انسحاب جزئى بإعطاء الأولوية لسياسات النهب الاقتصادى لثروات العالم، حتى لو اضطرت واشنطن لاستخدام القوة العسكرية المفرطة، على النحو الذى يلوح به الرئيس ترامب ضد فنزويلا، ومجمل دول أمريكا الوسطى واللاتينية، وما تتضمنه هذه الاستراتيجية من إصرار على منع القوى الدولية المنافسة، خاصة الصين وروسيا من التمدد فى مناطق النفوذ الأمريكية التقليدية، خاصة فى أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن إلى الهيمنة المنفردة على ثروات دول هذين الإقليمين دون أى منافسة.
وتأكيدًا لهذه المعانى قال ترامب فى مقدمة استراتيجيته الأمنية الجديدة ما نصه: «فى كل ما نقوم به نضع أمريكا أولًا»، ويقول: «لم يعد الهدف دعم نظام عالمى ليبرالى واسع، بل حماية القوة الأمريكية مع تقليل الأعباء الخارجية، وتركيزها فى مناطق العائد المباشر».أما الحقيقة الثالثة المهمة، فهى تتعلق بإقليم الشرق الأوسط، وفى القلب منه وطننا العربى الكبير. فإذا كانت الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة تنص على الحد من الانخراط فى الشرق الأوسط، بمعنى تخفيض الحرص على احتكار السيطرة على الثروة النفطية والقرار النفطى فى الدول العربية، بعد أن تراجعت أولوية الحاجة الأمريكية لهذا النفط فى الاستراتيجية الأمريكية، نظرًا لتحول الولايات المتحدة إلى دولة مصدرة للنفط، وفى ظل ما تعتقده واشنطن من تراجع للصراع العالمى على الشرق الأوسط، وفى ظل التحول العالمى نحو «الطاقة النظيفة» البديلة، فإن هذا لا يعنى تخليًا أمريكيًا عن مبدأ الهيمنة، ولكنه تحول من الهيمنة العسكرية – الاستراتيجية إلى الهيمنة الاقتصادية، ومنع أى قوة دولية من منافستها على الثروات العربية النفطية والمالية والعقارية والتجارية. هذا يعنى أن الولايات المتحدة تنوى عولمة «مبدأ مونرو»، الذى جدده ترامب بخصوص الاحتكار الأمريكى المطلق لدول أمريكا اللاتينية وثرواتها، وإغلاقها نهائيًا عسكريًا أمام الصين وروسيا كقوى منافسة، وفرض هذا المبدأ «ضمنيًا» على وطننا العربى وإقليم الشرق الأوسط عمومًا.
فى ظل هذه الحقائق الثلاث، نحن أمام سؤال «تاريخي» هو: هل هذه الاستراتيجية تضمن لنا نحن العرب فرصًا للتحرر من أعباء الهيمنة الأمريكية، أم تتضمن مزيدًا من التحديات؟ وما هى خياراتنا أمام ذلك؟ الاستراتيجية الأمنية الأمريكية ترى أن الشرق الأوسط، وفى القلب منه الوطن العربى، مازال يمثل فرصًا ومكاسب ومصالح أمريكية، يجب حمايتها والتوسع فيها. الأخطر من ذلك أن هذه الاستراتيجية تنص ضمنيًا على «صفقة» مع حكومات المنطقة، تتيح للولايات المتحدة التوسع فى هذا النهب مقابل التعهد الأمريكى بعدم التدخل فى شئون الحكم الداخلية، فلا مطالب ديمقراطية، ولا حقوق إنسان.. إلخ. مخاطر هائلة تتهدد العرب فى هذه الاستراتيجية تستوجب فكرًا استراتيجيًا عربيًا جديدًا للتصدى لها، ولكن كيف؟ كيف يمكن تحويل التهديدات إلى فرص؟ هذا هو التحدى العربى التاريخى، الذى يستوجب مواجهته.
المصدر: الاهرام
د. محمد السعيد إدريس
