تُعدّ المرافئ في القارة الأفريقية ركيزة أساسية للتجارة الإقليمية، إذ تمرّ عبرها قرابة 80% من حركة التبادل التجاري، ما يمنحها مكانة استراتيجية محورية في الاقتصاد الأفريقي. هذا الثقل جعلها مسرحًا لصراع متصاعد ذي طابع جيوبوليتيكي واستثماري، تتداخل فيه مصالح الدول، والشركات الوطنية، والفاعلين الدوليين.
أولًا: سباق الموانئ في القرن الأفريقي
يتجلّى هذا الصراع بوضوح في منطقة القرن الأفريقي، حيث تشهد تنافسًا يمكن توصيفه بـ«صراع محاور» و«سباق استثماري» على السيطرة على المرافئ والبنى التحتية البحرية. ووفق تقرير «الموانئ في أفريقيا: تسريع التغيير» (2020) الصادر عن Africa CEO Forum بالتعاون مع شركة Okan، بلغ حجم الاستثمارات في قطاع الموانئ الأفريقية نحو 15 مليار دولار أميركي منذ عام 2005.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التنافس، صفقة استحواذ موانئ دبي العالمية عام 2018 على 51% من إدارة وتطوير ميناء بربرة لمدة 30 عامًا، مقابل 30% لحكومة أرض الصومال و19% لإثيوبيا. وقد خُصص نحو 442 مليون دولار لتحديث الميناء وتحويله إلى مركز إقليمي قادر على منافسة ميناء جيبوتي، عبر رفع طاقته الاستيعابية للحاويات وتنشيط التجارة الإقليمية، ولا سيما مع ازدياد اهتمام دول الخليج بالموقع.
ثانيًا: بربرة في مواجهة جيبوتي
منذ مارس 2021، تعمل موانئ دبي العالمية على توسيع ميناء بربرة بهدف اجتذاب جزء من التجارة الإثيوبية، علمًا أن نحو 95% من تجارة إثيوبيا تمرّ عبر جيبوتي. وتأمل أرض الصومال أن تستقطب ما يقارب 50% من هذه الحركة، إضافة إلى إمكانية تحوّل الميناء إلى منفذ حيوي لدولة جنوب السودان غير الساحلية.
ويكتسب هذا المشروع أهمية إضافية في ظل إنهاء العقد الإماراتي مع محطة دوراليه في جيبوتي، وهي محطة تتمتع بموقع استراتيجي وشبكة ربط متقدمة من الطرق والسكك الحديدية، تشغّلها حاليًا شركات صينية. وقد اعتُبر التوسع الإماراتي في بربرة تهديدًا مباشرًا للميناء الجيبوتي ولمصالح بكين في المنطقة.
ثالثًا: البعد العسكري والأمني
زاد من حدة التوتر الإقليمي موافقة سلطات أرض الصومال على إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في بربرة، إلى جانب قاعدة أخرى في مدينة عصب الإريترية. في المقابل، تؤكد الإمارات أن الهدف من هذه القواعد يتمثل في حماية طرق تجارتها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل التهديدات المتصاعدة، ولا سيما من الحوثيين في اليمن.
في سياق التنافس والصراع على بوابات المرافئ، اعترفت إسرائيل بصوماليلاند كدولة مستقلة، (اسرائيل هي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تُقدم على هذه الخطوة) ما منح هذا الاعتراف بعداً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز الإطار الرمزي أو الدبلوماسي التقليدي، وأثار جدلًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي.
لا يمكن فصل هذا الاعتراف عن التحولات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والتجارية والعسكرية، وتُعاد صياغة التحالفات في ظل تنافس دولي محتدم.
ترى إسرائيل في صوماليلاند موقعاً جيوسياسيًا بالغ الأهمية على خليج عدن والبحر الأحمر، وهما من أكثر الممرات البحرية حيوية عالميًا. ويُتيح هذا الموقع لتل أبيب تعزيز حضورها الأمني والاستخباراتي قرب خطوط الملاحة الدولية، في مواجهة التهديدات الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بالحوثيين.
ويندرج الاعتراف ضمن سياسة إسرائيل الرامية إلى تعميق حضورها في القارة الأفريقية، مستفيدة من التحولات التي أعقبت اتفاقات أبراهام، والتي فتحت المجال أمام إعادة هندسة تحالفات تتجاوز الإطار الشرق أوسطي التقليدي. كما أنها تراهن على شراكة سياسية واقتصادية مع صوماليلاند، كونها تتمتع بدرجة من الاستقرار المؤسسي مقارنة بالصومال الفيدرالية، وتسعى منذ عقود إلى تثبيت كيانها دوليًا والانخراط في الاقتصاد العالمي.
ياختصار، لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند خطوة معزولة، بل جاء كجزء من صراع أوسع على الموانئ، والممرات البحرية، والتوازنات الأمنية في القرن الأفريقي. ويعكس هذا التطور محاولة واضحة لإعادة تشكيل السياسة البحرية للبحر الأحمر، في مقابل رفض إقليمي ودولي لا يزال يعتبر هذا المسار تهديدًا مباشرًا لمنظومة السيادة والاستقرار في أفريقيا.
