في أجواء نضالية مليئة بالفخر و الاعتزاز بالحس الوطني و المسؤولية التاريخية لحفظ أمانة اكثر من خمسة ملايين شهيد طوال فترة الاستعمار الفرنسي و بعد انتظار دام لأكثر من عشرين سنة على قرار البرلمان الفرنسي الذي يمجد الاستعمار الفرنسي في القارة الأفريقية و الذي يتحدث في مادته الرابعة عن دور الاستعمار الإيجابي في المستعمرات وراء البحار و خاصة في شمال أفريقيا متناسيا كل ما ارتكبته آلة الدمار الفرنسية في جراءم ضد الإنسانية و مجازر بشعة وصولا إلى التجارب النووية التي اجرتها القوات العسكرية الفرنسية في الصحراء الجزائرية و التي ما زال سكان تلك المناطق يعانون منها حتى الآن في ظل كل هذه الأحداث صادق البرلمان الجزائري برفقته الأولى على قانون تجريم الاستعمار الذي يطالب في بعض بنوده فرنسا بضرورة الاعتراف بجراءته الاستعمارية طوال فترة الاحتلال للجزائر منذ عام 1830 حتى انتصار معركة التحرير الوطني بقيادة جبهة التحرير و طرد المستعمر في عام 1962.
للتذكير فان بداية المعركة القانونية تعود إلى فترة الولاية الثانية للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بعد ان صادق البرلمان الفرنسي على قانون تمجيد الاستعمار في المستعمرات الفرنسية كافة مما أثار غضب بعض النواب الجزائريين و طالبوا بالرد عبر إصدار قانون جزائري يعتبر ان الاستعمار جريمة يجب ان يحاسب عليه القانون و لكن بعض أطراف السلطة انذاك و اصحاب القرار في تلك الفترة اعتبروا ان هذا الاقتراح القانوني سيؤدي إلى تدهور في العلاقات الجزائرية الفرنسية و يمكن متناسيا ان النواب الفرنسيين الذين وافقوا على تمجيد الاستعمار يعرفون جيدا ان مثل هكذا قرار سيجد معارضة جزائرية أكيدة و لم يكترثوا للنتائج على العلاقات بين البلدين.
نواب البرلمان الجزائري الذين كانوا موشحين بالعلم الجزائري وافقوا بالإجماع على هذا القرار و خلال عملية التصويت بدأوا و بصوت عال إنشاد النشيد الوطني الجزائري و الذي يشدد على الروح الوطنية و يحذر فرنسا من يوم الحساب و قد حضر الجلسة العديد من المجاهدين البارزين و ايضاً العديد من النواب السابقين الذين اقترحوا في فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة ادراج هذا القانون في الجلسات البرلمانية و لم ينجحوا في تلك الفترة. رئيس المجلس إبراهيم بوغالي قال بعد التصويت على القانون ان مسألة تجريم الاستعمار هي قضية شعب باكمله تذوب فيها الحساسيات الداخلية و تلغي كل الاختلافات بين الأطراف السياسية كافة مؤكدا ان ما قام به النواب هل عمل سيادي و موقف اخلاقي و رسالة سياسية واضحة تعبر عن تمسك الجزائر بحقها غير القابل للتصرف و وفائها رسالة شهدائهم مضيفا أن القانون لا يستهدف أي شعب ولا يسعى للانتقام أو تأجيج الأحقاد بل ينطلق من مبدأ ان الجراءة ضدّ الإنسانية لا تمحى بالتقادم ولا تبرر بالقوة و لا تغلق ملفاتها بالصمت. وبغالي ذكر ان القانون يحمل فرنسا الاستعمارية كل المجازر الجماعية و جرائم القتل العمدي و ايضاً التفجيرات النووية التي اجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية و التي لا تزال آثارها ضاهرة حتى اليوم.
وزير المجاهدين عبد المالك تشرفيت اكد ان الجزائر لم و لن تساوم على ذاكرتها الوطنية و القانون يجسد ادانة نظام استعماري ق أم على القهر و الظلم و انتزاع الهوية الوطنية و الإسلامية و يبرز تمسك الدولة بحقها السيادي في صون تاريخها الوطني و الدفاع عن ذاكرتها بكل الوسائل.
مضمون القانون
القانون الذي وافق عليه نواب المجلس يتضمن خمسة فصول و تضم ٢٧ مادة و يحصر جراءم الاستعمار الفرنسي في الجزائر و ظبط الأحكام القانونية المتعلقة بمسؤولية الدولة الفرنسية عن ماضيها الاستعماري إلى جانب آليات المطالبة و الاعتراف و الاعتذار الرسميين و إقرار احكام جزائية تجرم تمجيد الاستعمار أو الترويج له باي شكل من الأشكال، القانون ايضاً يوكد على هوية الشعب الجزائري الثقافية و مناهضته للاستعمار بكل اشكاله.
القانون يعتبر الاستعمار الفرنسي للجزائر جريمة دولة و هو ما يحمل معه أبعادا قانونية و سياسية و يلزم الدولة الجزائرية بالعمل على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار و نشرها و يتضمن القانون فصلا خاصا حول جرائم الاستعمار بدءا من القتل العمدي و الهجمات العسكرية ضد المدنيين وصولا إلى الاستخدام المفرط للقوة و الأسلحة المحرمة دوليا بما فيها زرع الالغام و التجارب النووية مع ما تحمله من أبعاد إنسانية و بيئية طويلة الأمد و هو ما يتطلب ضرورة تنظيف المواقع الملوثة نوويا و تعويض الضحايا اضافة إلى كل هذا ذكر القانون بالجرائم الاقتصادية و الاجتماعية مثل السطو على خزينة الدولة و نهب الثروات و مصادرة الممتلكات، أما المادة الخامسة في القانون فهي تولي اهتماما خاصا بالانتهاكات الثقافية و الدينية من خلال تدنيس دور العبادة و التنصير القصري و محاولات طمس الهوية الوطنية بممارسات التجنيد الإجباري و إنشاء محاكم خاصة دون أي ضمانات قانونية.
و اخيرا تأتي المادة السادسة لتؤكد على مبدأ تقادم مذكرا ان جرائم الاستعمار لا تسقط بالقادم بغض النظر عن صفة الذين ارتكبوها اكانوا فاعلين اصليين أو شركاء أو محرضين و منفذين لاوامر صادرة عن السلطات الاستعمارية اماً المادة السابعة فهي تجرم كل صور التعاون مع السلطات الاستعمارية و اعتبارها خيانة عظمى في سياق يربط بين الذاكرة الوطنية و المساءلة القانونية.
حسب الخبراء القانونيين فان الموافقة على القانون لا يحمل في المرحلة الحالية أي بعد دولي و بالتالي لا يمكنه إلزام فرنسا بتنفيذ قراراته و اثره القانوني حاليا هو محلي فقط و له دلالة رمزية قوية داخليا لكن يبدو ان اثره العملي على مطالب التعويضات محدودا من دون اللجوء إلى هيئات دولية مختصة أو اتفاق ثنائي بين باريس و الجزائر.
على امتداد سنوات طويلة بقيت العلاقات بين البلدين رهينة مد وجزر تتراوح بين محاولات التقارب الحذر و الانزلاق المتكرر نحو التجاذب السياسي و الدبلوماسي و كان آخر تصعيد في الموقف بين البلدين بدأ منذ صيف 2024 عندما اعلن الرئيس الفرنسي ماكرون اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء الغربية و هو ما اعتبرته الجزائر مساسا مباشرا بثوابت سياسيتها الخارجية و ردا على ذلك اتخذت الجزائر إجراءات دبلوماسية شملت سحب السفير الجزائري من باريس و إلغاء زيارة رسمية للرئيس تبون كانت مقررة إلى باريس و زادت الخلافات المرتبطة بملف اتفاقيات الترحيل و الهجرة من تعقيد المشهد اضافة إلى التصريحات و المواقف المعادية للجزائر التي كان يطلقها وزير الداخليّة السابق روتاريو مما ادى إلى تراكم الملفات الخلافية ليطفو علىالوجه ملف الذاكرة بوصفه احد اكثر القضايا حساسية بين البلدين دون ان ننسى تاثير سجن الكاتب الجزائري و الحاصل على الجنسية الفرنسية بوعلام صنصال الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات قبل إطلاق سراحه و ترحيله بوساطة المانية بعد عام من توقيفه و لكن تامل المتابعين تحسنا للعلاقات بين البلدين بعد عدة تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي الجديد تتطالب بتغيير لهجة التخاطب بين البلدين و تأخذ بعين الإعتبار مصالح البلدين و تاريخهم المشترك.
الجزائر الآن و التي نضمت الشهر الماضي منتدى أفراقنا و دوليا لتجريم الاستعمار تجريما قانونيا واضحا من اجل التذكير بالجراءم البشعة التي ارتكبها الاستعمار بشكل عام و الفرنسيين بشكل خاص في القارة الأفريقية لا توفر فرصة إعلامية مناسبة من اجل الإضاءة على مساوئ الاستعمار و التي كان اخرها خلال منتدى الشراكة الأفريقية الروسية أين اكد وزير الخارجية أحمد عطاف على التزام الجزائر الراسخ بتجريم الاستعمار و مكافحة الارهاب في القارة الأفريقية باعتبارهما راكبتين أساسيتين لتعزيز السلم و الاستقرار و التنمية في القارة موكدا دعم الجزائر من اجل تاسيس يوم دولي لمكافحة هذه الضاهرة مشددا على أهمية التوافق الروسي الأفريقي للإسهام في لاستكمال مسار تصفية الاستعمار و تعزيز الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية.
من الجانب الفرنسي لم تتأخر الخارجية الفرنسية بالعراب عن استنكارها للقرار واصفتا القانون بانه عدائي بشكل واضح و يعيق استئناف الحوار بين البلدين و يعرقل معالجة القضايا التاريخية بهدوء و قال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية ان باريس لا تنوي التعليق على السياسة الداخلية الجزائرية لكنه أشار إلى حجم العمل الذي قام به الرئيس ماكرون في مجال الذاكرة التاريخية للبلدين من خلال احداث لجنة مشتركة من المؤرخين الجزائريين و الفرنسيين و استمرار جهود الوزارة من اجل استئناف الحوار بشكل متوازن مع الجزائر يمكنه معالجة المصالح الأساسية لفرنسا ل سيما في القضايا الأمنية و الهجرة.
الأكيد ان العلاقات بين البلدين تتأرجح بين الرغبة في استعادتها لعلاقات طبيعية و مادية بين بلدين يربط بينهما تاريخ مأساوي و طويل يجب الاعتراف به و اصلاحه و هذا ما يتوافق عليه الجزائريون و اليسار الفرنسي و بعض يمين الوسط و بين طرف فرنسي يميني متعصب حاقد على الإسلام و المسلمين غير قادر على نسيان الماضي الاستعماري طوال عقود و يحاول فرض شروطه التعجيزية على سلطة جزائرية انتزعت استقلالها بالدم و الكفاح الوطني و بالتالي من الصعب جدا التكهن بمستقبل الأمور .
لفرنسا و الجزائر مصلحة في تحسين العلاقات و عودتها إلى إلى مسارها الطبيعي بين دولتين سياديتين من اجل مصالحهما و مصالح شعوبهما و بالتالي السوال الآن من يقوم بالخطوة الولى الجدية لإصلاح هذه العلاقة.
