فؤاد الحاج يكتب: سوريا.. في مواجهة التحديات صراعات الداخل وضغوط الإقليم
دخلت سوريا مرحلة تحولات عميقة سياسيا وداخليا وخارجيا. تحولات حملت في بعض محطاتها مؤشرات إيجابية أعادت الأمل بإمكانية بناء دولة بعد سنوات طويلة من الاستبداد وغياب الحياة السياسية، لكنها في محطات أخرى انزلقت نحو مسارات خطرة كادت أن تعصف بالمنجز الأهم، والمتمثل بتحرير البلاد وفتح الباب أمام مستقبل مختلف.
الواقع السوري اليوم لا يسمح بالقراءات السهلة أو الأحكام السريعة. فالبلاد تواجه ملفات شديدة التعقيد على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل تشابك داخلي وإقليمي يجعل أي خطوة إلى الأمام محفوفة بالمخاطر. من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، تتوزع بؤر التوتر بصورة تعيق تثبيت الاستقرار وبناء الدولة التي أنهكتها سنوات الحرب.
أولى إشارات الخلل الداخلي برزت مع أحداث الساحل السوري، حيث سقط آلاف الضحايا خلال مواجهات دامية أعادت التذكير بسرعة الانزلاق نحو العنف عند أول اختبار حقيقي للسلطة الجديدة. ولم تكن تلك الأحداث معزولة، بل فتحت الباب أمام سلسلة تطورات لاحقة، كان من بينها المواجهات التي اندلعت بين الدروز والعشائر العربية في بعض المناطق، كاشفة هشاشة التوازنات المحلية وسهولة تفجيرها.
في خلفية هذا المشهد، يبرز الدور الإسرائيلي بوصفه عاملا معرقلا لأي مسار استقرار حقيقي. تل أبيب لم تُخف يوما رغبتها في إبقاء سوريا ساحة مفتوحة، سواء عبر الدفع نحو إقامة مناطق عازلة، أو من خلال تغذية صراعات داخلية تستنزف الدولة وتمنع تعافيها. الهدف هنا واضح، وهو خلق محيط أمني خال من أي قوة يمكن أن تشكل تهديدا مستقبليا.
لكن العقدة الأكبر تبقى في شمال شرق سوريا. هناك، تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على مقدرات اقتصادية وعسكرية وازنة، تمنحها قدرة حقيقية على تعطيل فرض سيادة دمشق على كامل الجغرافيا. ومع رحيل الأسد وإحكام السلطة الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع سيطرتها على مؤسسات الدولة، تحول هذا الملف إلى اختبار مركزي لجدية مشروع الدولة الموحدة.
تركيا والدور القادم
في هذا السياق، برز الدور التركي بقوة. أنقرة لم تكتف بالدعم السياسي، بل ذهبت بعيدا في توفير غطاء عسكري ودبلوماسي لدمشق، أسفر عن إنجازات غير مسبوقة، في مقدمتها رفع العقوبات الأمريكية المعروفة بقانون قيصر، والتي كانت تشكل خنقا حقيقيا لأي محاولة نهوض اقتصادي. كما عملت تركيا، بالتعاون مع حلفائها، على إعادة سوريا تدريجيا إلى محيطها الإقليمي.
تنظر تركيا إلى سوريا باعتبارها عمقها الأمني والاستراتيجي. ومن هذا المنطلق، تعتبر أي صيغة فيدرالية، مهما كان توصيفها، تهديدا مباشرا لأمنها القومي، ومقدمة لانتقال هذا النموذج إلى دول أخرى في المنطقة. ولهذا تصنف أنقرة هذا الملف كخط أحمر لا يقبل المساومة.
يبقى التوتر بين دمشق وقوات قسد محور هذا الصراع. اتفاق العاشر من مارس، الذي نص على دمج قسد ضمن الجيش السوري، لم يرَ النور فعليا. وترى أنقرة أن تعطيله ليس صدفة، بل محاولة من التنظيم الكردي لكسب الوقت والإبقاء على الأمر الواقع، بانتظار تغيرات إقليمية أو دولية تعيد خلط الأوراق.
وخلال العام الماضي، تكثفت الزيارات التركية إلى دمشق، في مؤشر واضح على مستوى التنسيق، وحجم القلق في الوقت نفسه. آخر هذه الزيارات، التي ضمت وزراء الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات، حملت دلالات سياسية وأمنية عميقة، تعكس أن الصبر التركي ليس مفتوحا إلى ما لا نهاية.
تصريحات المسؤولين الأتراك لم تعد تحتمل التأويل. وزير الدفاع التركي تحدث بوضوح عن ضرورة اندماج قسد في الجيش السوري، معتبرا أن استقرار سوريا ومكافحة التنظيمات الإرهابية مسألة أمن قومي تركي. كما شدد وزير الخارجية التركي على أن أنقرة لن تسمح باستمرار أي تنظيم مسلح يعمل خارج الإرادة السورية الموحدة.
إسرائيل وصراع النفوذ
هذا الموقف يثير قلقا متزايدا لدى إسرائيل. فبعد تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، باتت تل أبيب تنظر إلى تركيا بوصفها الخطر الإقليمي الأكبر في السنوات المقبلة. تقارير إسرائيلية داخلية صنفت أنقرة على هذا الأساس، ودعت إلى العمل على تطويقها سياسيا وأمنيا.
وعمليا، بدأت إسرائيل بتفعيل هذه الاستراتيجية. تحالف غير معلن مع قسد من الجنوب، علاقات متقدمة مع أذربيجان بما يفتح هامشا لحضور غير مباشر شمال شرق تركيا، وتحالف إسرائيلي يوناني قبرصي في شرق المتوسط. طوق متعدد الاتجاهات يجعل أنقرة حذرة من أي مواجهة مباشرة، خاصة في ظل الغطاء الأمريكي والأوروبي لتل أبيب.
ورغم التململ الغربي المتزايد من السياسات الإسرائيلية، خصوصا بعد غزة، إلا أن التجارب السابقة تظهر أن هذا التململ غالبا ما يتبدد عندما تتعارض المصالح مع قوة إقليمية بحجم تركيا. حينها، تعود العواصم الأوروبية إلى اصطفافها التقليدي، كما حدث في ملفات أخرى.
واشنطن.. الدور الغامض
أما الموقف الأمريكي، فيبقى الأكثر إرباكا. فتصريحات واشنطن تؤكد وحدة سوريا ورفض الفيدرالية، على لسان المبعوث الأمريكي توماس باراك وقائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر، الذي اعتبر أن دمج قسد في الجيش السوري يعزز الاستقرار. وفي المقابل، خصص البنتاغون مئات ملايين الدولارات لدعم قسد، ما يعكس تناقضا يصعب تجاهله.
هذا التذبذب يضع تركيا أمام خيار صعب. هل تمضي قدما نحو حسم ملف قسد بالقوة، أم تنتظر خشية انقلاب في الموقف الأمريكي يقيّد حركتها. وفي كل الأحوال، تبدو سوريا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، حيث ستحدد قرارات الأشهر المقبلة ما إذا كانت البلاد قادرة على تثبيت استقرارها، أو أنها ستبقى ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي.
