حطّ الموفد الفرنسي جان-إيف لودريان رحاله في بيروت مساء أمس الاثنين ، في زيارة جاءت بعد فترة من الهدوء الدبلوماسي، لتعيد باريس إلى صدارة الاهتمام بالشأن اللبناني. وفي وقت لم تعد مسألة انتخاب رئيس مطروحة بعد انتخاب جوزيف عون بداية العام، بدا واضحاً أن أجندة الزيارة تركز على دعم المؤسسات الأمنية، تعزيز الاستقرار، ومتابعة التطورات في الجنوب اللبناني.
استهلّ لودريان زياراته الرسمية بلقاء الرئيس عون في قصر بعبدا، حيث ناقشا بشكل مفصل التطورات الأمنية والسياسية في البلاد، إضافة إلى الملفات الاقتصادية والاصلاحية المرتبطة بالدعم الدولي. وقد أكّد البيان الرسمي الصادر عن قصر بعبدا على أهمية تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وتحضير مؤتمر دولي لدعمه، إضافة إلى متابعة آليات مراقبة وقف الأعمال العدائية جنوب البلاد، في خطوة تعكس حرص باريس على تفادي أي تصعيد في مناطق التوتر.

كما يشمل جدول لودريان لقاءات مع وزراء الحكومة المعنيين بالشؤون الدفاعية والأمنية، إضافة إلى كبار المسؤولين في الجيش وقوى الأمن الداخلي، بهدف الاطلاع على الخطط التنفيذية لتحسين جاهزية المؤسسات العسكرية والأمنية. ومن المقرر أن تتواصل لقاءاته خلال الأيام المقبلة مع ممثلين عن المجتمع المدني وقطاع الأعمال، لمناقشة سبل تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، بما ينسجم مع أهداف فرنسا وأوروبا في دعم لبنان.
ويُظهر هذا الجدول المكثف حرص باريس على الجمع بين البعد السياسي والأمني والاقتصادي، مع التركيز على بناء تواصل مباشر وفعّال مع كل الأطراف اللبنانية، لضمان أن تكون المساعدات الدولية المخصصة للجيش والمؤسسات مؤطرة ضمن استراتيجية واضحة لتحقيق الاستقرار الشامل.
وتأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية متفرقة، ما يجعل دعم الجيش اللبناني وإعادة تأهيل قدراته أولوية فرنسية وأوروبية على حد سواء. ويشير المراقبون إلى أن باريس لا تهدف من خلال هذه الزيارة إلى ممارسة ضغوط سياسية داخلية، بل إلى توطيد علاقات التعاون مع السلطات اللبنانية، وضمان قدرة الدولة على السيطرة على مجمل أراضيها وتأمين استقرارها الداخلي، بما ينسجم مع التزاماتها الدولية والإقليمية.
كما أظهرت الزيارة حرص الجانب الفرنسي على تعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف اللبنانية، والوقوف على مدى استعداد الدولة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة لضمان وصول المساعدات الدولية بشكل فعّال. فالرسالة الأبرز التي تحملها الزيارة، وفق مراقبين، هي أن باريس ترى في تعزيز المؤسسات الأمنية والجيش اللبناني حجر الزاوية لأي استقرار داخلي، وأن أي تقدم سياسي أو اقتصادي مرهون بقدرة الدولة على فرض سيطرتها على كامل أراضيها ومؤسساتها.
في نهاية المطاف، تبدو زيارة لودريان مزيجاً من الحرص الدبلوماسي والرسائل العملية: دعم الجيش، مراقبة الحدود الجنوبية، متابعة التطورات الداخلية، وتحضير الأرضية لمؤتمر دولي يسهم في تعزيز قدرات الدولة اللبنانية. زيارة تحمل طابعاً سياسياً هادئاً، لكنها في الوقت نفسه رسالة قوية بأن المجتمع الدولي لن يغفل عن لبنان، وأن تعزيز استقراره لم يعد خياراً، بل ضرورة إقليمية ودولية.
