أدخلت التطورات الأخيرة في لبنان تحوّلاً واضحاً على آلية الميكانيزم التي أُنشئت لمتابعة تطبيق اتفاقات التهدئة ومراقبة الخروقات على الحدود اللبنانية مع الكيان الإسرائيلي، فبعد أن كانت آلية تقنية ذات طابع عسكري – أمني بحت، تم تطعيمها اليوم بقرار من رئاسة الجمهورية اللبنانية القاضي بتعيين السفير سيمون كرم رئيساً للوفد المفاوض من قبل لبنان في لجنة الميكانيزم لتصبح بشخصيات سياسية ودبلوماسية، ما جعلها تنتقل تدريجياً من إطار تنفيذي تقني إلى منصة سياسية اكنها محدودة الصلاحيات، هذه المحدودية تعيد طرح سؤال: إذا تحوّلت الميكانيزم إلى هيئة أكثر سياسية، فما الحاجة إلى الخماسية؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه لجنة سفراء مجلس الأمن في بيروت بوصفها أعلى تمثيل دبلوماسي دولي يقارب ملف الجنوب؟
إن تداخل هذه الأطر الثلاثة يفتح باباً واسعاً لتحليل مستويات التأثير وحدود كل آلية، وقدرتها على حماية استقرار لبنان وصوغ علاقة أكثر توازناً مع العدو الاسرائلي .
الميكانيزم كانت منذ انطلاقها إطاراً تقنياً لمتابعة الهدنة، تجمع الجيش اللبناني واليونيفيل والعدو و اميركا وفرنسا ، لكن إدخال فاعلين سياسيين ودبلوماسيين إليها أدى إلى تبدل طبيعتها الوظيفية، وعليه سيتم الانجرار من التقنية إلى السياسة، فإضافة السياسيين منحت الميكانيزم قدرة أكبر على التعبير السياسي، لكنها قيّدت طبيعته المهنية فالآلية لم تُصمَّم لحوارات سياسية بالاصل بل لمتابعة الخروقات وإعداد تقارير تقنية، ومع تطعيمها أصبحت الميكانيزم تتحرك بين مسارين متعارضين، مسار عسكري مهمته التوثيق والمراقبة، ومسار سياسي يحاول مقاربة جذور النزاع وحدوده.
هذه الازدواجية للميكانيزم قد تربك وظيفتها الأصلية، ما سيستدعي آليات سياسية أخرى مكملة، خاصة مع محدودية صلاحية الميكانيزم، فرغم التعديل تبقى سلطتها محدودة، هي لا تستطيع فرض التزام على إسرائيل ولا تملك خطاباً سياسياً جامعاً يتجاوز مستوى التوصيات، لذلك، فتح تطعيمها المجال نحو البحث عن إطار سياسي مكمل وهو ما يعيد حتماً الخماسية إلى الواجهة.
بعد إدخال السياسيين إلى الميكانيزم، ستكتمل قناعة لدى الأطراف المحلية والعربية والدولية بأن آلية تقنية مطعّمة بالسياسة لا تستطيع لعب دور الإطار الجامع لإدارة النزاع، هنا تبرز الخماسية مجدداً كمنصة أساسية تتفوق على الميكانيزم في ثلاثة جوانب:
الشرعية الدولية والعربية الواسعة: الخماسية تجمع الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، قطر، ومصر، وهذا التنوع يعطيها، قوة ضغط على إسرائيل وقدرة على حماية الدولة اللبنانية وغطاء عربياً يوازن النفوذ الدولي، وهي ميزات لا تمتلكها الميكانيزم مهما توسّعت.
مقاربة سياسية كاملة للنزاع: بينما يعالج الميكانيزم الوقائع الميدانية، تعالج الخماسية الأسباب الجذرية مثل ترسيم الحدود البرية، الانسحاب الإسرائيلي من النقاط المتبقية، مستقبل العلاقة بين الدولة والمقاومة، ضمانات عدم العودة إلى الحرب، هذه الملفات لا يمكن للميكانيزم تناولها، ولو طُعّم بعشرات السياسيين.
القدرة على إنتاج تفاهمات قابلة للنفاذ: الخماسية تملك نفوذاً يسمح لها بتحويل أي تفاهم إلى مسار دولي مُلزم، أو إلى ضغط في مجلس الأمن، وهذا ما يجعلها ضرورة استراتيجية إلى جانب لا بدل الميكانيزم.
إلى جانب تطعيم الميكانيزم وصعود الخماسية، تبرز لجنة سفراء الدول الخمس عشرة في مجلس الأمن المقيمة في بيروت بوصفها المستوى الأعلى في التعاطي الدبلوماسي الأممي مع ملف لبنان، فهذه البعثة اتية لضمانة تنفيذ القرار 1701، هذه اللجنة هي الأجدر على إعادة التأكيد على التزامات القرار 1701 بكامل بنوده من وقف الخروقات الجوية الى ضبط التحركات العسكرية للجانبين الى انسحاب إسرائيل من النقاط المتبقية الى دعم انتشار الجيش اللبناني، فوجودها وتحركها يعطي لبنان القدرة على رفع الخروقات مباشرة إلى المرجعية الدولية العليا، ويمكنها تحويل الخروقات إلى نقاش داخل مجلس الأمن، فعبر هذه اللجنة يمكن لأي ملف جنوبي أن يتحول إلى بند طارئ داخل مجلس الأمن، ما يشكل ضغطاً مباشراً على إسرائيل
هذا الدور يتجاوز قدرة الخماسية ويتخطى كلياً صلاحيات الميكانيزم، وهو الربط بين المسار الأمني والسياسي، البعثة تستطيع العمل على محورين، دعم الخماسية سياسيا و دعم الميكانيزم تقنياً، وبذلك تشكل حلقة وصل تجعل المسارات الثلاثة مترابطة في خدمة الاستقرار.
فعوض تن السؤال: من يغني عن الآخر؟ يصبح السؤال الأصح: كيف تتكامل هذه الآليات؟ الميكانيزم: مفاوضات حرب فهي تقنية ومتابعة يبقى دورها الأساس مراقبة الخروقات وتقديم تقارير ميدانية موثوقة، اما الخماسية للتفاوض ابعد من الحرب والضغط لتصوغ حلولاً سياسية وفرض ضغوطاً على الأطراف، اما لجنة سفراء مجلس الأمن: هي الشرعية الدولية وتنفيذيتها انها تحمل الملف إلى مجلس الأمن وتحوّل الخروقات إلى قضية أممية، لذلك نرى ان تشكيل بعثة دولية من سفراء مجلس الامن هو عامل ضبط الإيقاع الإسرائيلي المتغول وفق الرؤية الامريكية التكتيكية.
بهذا التقسيم والتشكيل يصبح لكل آلية وظيفة لا تلغي الأخرى، بل تمنح لبنان شبكة أدوات سياسية ودبلوماسية متعددة لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وضبط الاستقرار الداخلي.
تطعيم الميكانيزم بسياسيين عملياً كشف محدوديتها السياسية، لكنه في الوقت نفسه أعاد فتح الباب أمام تفعيل أطر أوسع: الخماسية بوصفها الإطار الدولي – العربي الأكثر نفوذاً في لبنان، ولجنة سفراء مجلس الأمن بوصفها سلطة الشرعية الأممية، ومع تكامل هذه الآليات، يمكن للصراع الانتقال من دائرة الخطر المحتم الى إدارة الخطر عبر الوقت و اللجان في إطار سياسي ودبلوماسي قد يوازن اختلال القوة في مع إسرائيل.
