راوية… رواية السينما المغربية إلى العالم
إذا أردت أن تحفر وتبحث في تاريخ السينما المغربية، يستحيل أن تتجاوز فنانين وفنانات كبار طبعوا اسمهم بحروف من ذهب، وباتوا مع الزمن، نحتوا في الشاشة شخصيات ومشاهد تبقى خالدة وعالقة في الذاكرة.
في خضم هذا البحث، ثمة اسم لا يمكن تجاوزه، فنّانة خبرت السينما على مدار 40سنة، وطوّعت الكاميرا عبر شخصيات لا يمحوها الزمن هي فاطمة هراندي الشهيرة باسمها الفني “راوية”، التي كانت يوم أمس على موعد مع لحظة اعتراف وتكريم تاريخي في قلب مهرجان مراكش الدولي للفيلم.
بين شخصيّات معقدة قوية المشاعر وصلبة، وأخرى دافئة الأحاسيس الإنسانية، تنوعّت أدوار راوية في أفلامها، واستطاعت ببراعة استثنائية خلق توازن مُبهر بين تيمات الخير والشر، الحب والكره، الكبرياء والتواضع، ومتناقضات كثيرة تعيشها النساء في المجتمع جسّدتها راوية في الدراما والتراجيديا وحتى الكوميديا.

تكريم واعتراف دولي مستحق
وسط جمهور وحضور دولي وازن في قصر المؤتمرات بمراكش، وعلى وقع تصفيقات حارة اعترافا وامتنانا لراوية، شاهدنا أكثر اللحظات الإنسانية صدقا، وفي عيونها ذات النظرات العميقة، دمعة فرح وحب تتردد في النزول بين فينة وأخرى، لكنّها تمكنت من تحويل الدمعة لكلمات فصيحة أدمعت عيون الحاضرين.
تسلّمت درع التكريم من المخرج المغربي نور الدين لخماري، الذي عملت معه في عدة أفلام سابقة أبرزها “كازانيكرا”، وردّت على الحضور الذي صفّق لها بحرارة بقولها “تصفيقاتكم نزل عليّ كالمطر في صحراء، وارتويت، شكرا لكم”، فيما رصدت الكاميرا دمعة من الفنّانة المصرية يسرا متأثرة بكلمات راوية، واندهاش النجم العالمي الهوليوودي لورنس فيشبورن والنجمة العالمية جودي فوستر.
وقالت راوية بعد تسلّمها التكريم: “أشكر الملك محمد السادس والأمير مولاي رشيد، وكل جنود الخفاء الساهرين على استمرار مهرجان الدولي بمراكش، وأهدي هذا التكريم للجمهور المغربي، داخل الوطن وخارجه”
وأضافت: “تسع سنين خلت، وقفتُ على هذه المنصة كعضو في لجنة التحكيم إلى جانب نجوم سينمائيين عالميين، واليوم أعود إليها بفضل المخرجين والمخرجات الذين وضعوا ثقتهم في شخصي المتواضع لتجسيد مخيلاتهم على الشاشات الكبرى والصغرى”.
وتابعت: “شكرٌ خاصٌّ ملفوفٌ بالحب لكلّ المبدعات والمبدعين الذين جمعتني معهم أعمال فنية لأزيد من 30 سنة”.
فنانة مخضرمة معاصرة عالمية
بدايات راوية البالغة من العمر 74 عاما، كانت من المسرح، وهناك صقلت شخصيتها واحتكّت بكبار المسرحيين المغاربة، حيث انضمت إلى فرقة «المنصور» للمسرح، وتشرّبت حب المسرح والفن على يد الرواد المغاربة أمثال الطيب الصديقي، وأحمد الطيب العلج، وفريد بنمبارك، وعبد الصمد الكنفاوي، الذي اختارها ضمن «الفرقة الوطنية للمسرح»، التي قدمت معها العديد من المسرحيات الناجحة.
وفي السينما، كانت بدايتها من فيلم “كنوز الأطلس” للمخرج محمد العبازي، ومنه بدأت عملية نحت كنز سينمائي مغربي عالمي، عبر أعمال مغربية خالصة وأخرى فرنسية وعالمية، مع ثلّة من كبار المخرجين أمثال نرجس النجار في فيلم “العيون الجافة” و”انهض يا مغرب”، وحسن بنجلون في فيلم “شفاه الصمت”، والجيلالي فرحاتي في فيلم “ذاكرة معتقلة”، ومريم التوزاني في فيلم “آية والبحر”، وأعمال كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى في السينما.
حفرت راوية اسمها بقوة في قلوب عُشّاق الفن السابع، وحلّقت عاليا من المغرب إلى بُلدان العالم، ناقلة روايات نساء المغرب وكل نساء الأرض على مدار سنوات نشاطها المستمرة، حيث كلّ أعمالها هي رسائل إنسانية، اجتماعية وسياسية حول كل قضايا المجتمع والذاكرة الجمعية والتاريخ وحقوق الإنسان، فكان الصّدق والتفاني والتميّز هو عنوان كل مرحلة من المسار التاريخي الحافل للفنّانة راوية، وكانت هي كذلك، راوية حقيقية لكل القصص والحكايات الإنسانية الصادقة عبر السينما والتلفزيون والمسرح إلى كل العالم.
