تم وضع القانون الدولي للبحار رسمياً في مدينة في جامايكا في ١٠ ديسمبر ١٩٨٢ باتفاقية مونتيغو باي، ودخل حيّز التطبيق في ١٦ نوفمبر ١٩٩٤ بعد مصادقة ٦٠ دولة عليه وفق الشروط المذكورة بالاتفاقية لادخاله حيز التنفيذ، ولطالما شكل ترسيم الحدود البحرية بين الدول المتجاورة تعقيدات في القانون الدولي العام، وخصوصا في الحالات التي تتداخل فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية مع قواعد تفسير اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار، هنا يبرز الملف البحري بين لبنان وقبرص كأحد النماذج التي تكشف بوضوح طبيعة هذا التداخل، حيث كانت تتقاطع ثلاثة عناصر تعقيدية رئيسية: غياب اتفاق نهائي ملزم بين البلدين، اختلاف منهجية احتساب نقطة الانطلاق الجنوبية للترسيم، وتأثير طرف ثالث غير مباشر هو الكيان الإسرائيلي، ولأن كل هذه العناصر تندمج في سياق واحد، فيصبح من الضروري تناول القواعد القانونية الناظمة اولاً، ثم تطبيقها مباشرة على الحالة اللبنانية القبرصية.
ترتكز اتفاقية قانون البحار على مبادئ اساسية تتصل بترسيم المناطق البحرية، فالمنطقة الاقتصادية الخالصة التي تخلص لحق الدولة المتشاطئة لها بمسافة ٢٠٠ ميل بحري ما يعادل ٣٧٠ كيلو متر من نقطة الأساساس التي تحق كامل مواردها للدولة ولكن بخلاف المنطقة الإقليمية حيث لا يحق لها منع عبور السفن الأجنبية عليها اذا لم تمارس نشاطاً عسكرياً فهذا ما يعرف بالمرور البريئ وفق المادة ٥٧ من قانون البحار.
اما الجرف القاري فيصل الى ٣٥٠ ميل أي ما يعادل ٦٥٠ كيلو متر وفق المادة ٧٦ من القانون حيث يحق للدولة مالكة الجرف بالاستفادة من موارد قاع البحر وما تحته (نفط وغاز ومعادن) وليس من ماء البحر وسطحه.
تحدد الاتفاقية قاعدة للترسيم بين الدولتين اذا كانت المسافة بينهما اقل من ٤٠٠ ميل أي انهما لا يحصلا على منطقتهما الاقتصادية الخالصة بكاملها فيتم اللجوء الى خط الوسط وفق مبدأ التساوي و الانصاف، وهذا ما حصل بين لبنان وقبرص حيث ان اكبر مسافة بينهما لا تتجاوز ١٠٠ ميل بحري، ويبقى الاشكال على خط الأساس.
ان ترسيم الحدود البحرية هو عملية تفاوضية قائمة على الاتفاق المشترك، لذلك تنص اتفاقية قانون البحار في المواد ٧٤ و ٨٣ على ان ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري يتم بالاتفاق بناء على القانون الدولي لتحقيق حل عادل، ويعني هذا ان الدول قد تحصل على خطوط لا تتطابق تماما مع الخط الهندسي الوسطي، اذا توافق الطرفان على ترتيبات تراعي الظروف الخاصة.
فرغم ان الاتفاقية تحدد المبادئ العامة الا انها لا تلزم تحديد كيفية اختيار نقطة الانطلاق التي يبدأ منها خط الترسيم البحري، وترك هذا الامر الى ممارسات الدول واجتهادات السابقة للمحاكم الدولية (سيما محكمة العدل الدولية) التي ربطت اختيار النقطة بمجموعة عوامل: موقع آخر نقطة برية ثابتة، شكل الساحل، وجود جزر، تعقيدات التضاريس، وتعارض المطالب مع دول ثالثة. من هنا تولد الخلاف اللبناني القبرصي حول النقطة ١ والنقطة ٢٣، الا ان نقطة الانطلاق ليست نصاً ملزما في القانون البحري بل نتيجة لتقدير بين الدبلوماسيين والتقنيين.
اذاً، في الحالة اللبنانية القبرصية تطرح اتفاقية قانون البحار مبدأ الخط الوسط كمنطلق رئيسي، إلا ان تطبيق هذا المبدأ اصطدم بعوامل أساسية، فلبنان وقبرص ليستا دولتين متقابلتين تماماً، بل يقع جنوب خط ترسيمهما طرف ثالث هو فلسطين المحتلة أي عملياً (الكيان الإسرائيلي)، الامر الذي يجعل النقطة الجنوبية للخط موضعا حساسا، ولبنان يَعتبر ان نقطة الانطلاق التي تحفظ حقوقه جنوبا في مواجهة اسرائيل هي النقطة ٢٣ بينما الاتفاق الاولي الذي وقع عام ٢٠٠٧ اعتمد النقطة ١، فاحتساب النقطة الصحيحة يجب ان يتم وفق مسار الساحل اللبناني وطبيعة القياسات الجغرافية التي حولها لبنان لاحقا الى خرائط مودعة لدى الامم المتحدة بعد عام ٢٠١١.
وعليه، اصبح الخلاف بين النقطتين ١ و ٢٣ خلافاً قانونياً تقنياً حول تفسير مبدأ خط الوسط، لكنه في جوهره سياسي ودبلوماسي مرتبط بمدى تأثير دولة ثالثة على الترسيم بين دولتين متجاورتين.
ففي السابع عشر من كانون الثاني ٢٠٠٧ وقع لبنان وقبرص اتفاقاً اولياً لترسيم الحدود البحرية بينهما،وقد اعتمد الاتفاق صيغة خط الوسط، مستخدما ثماني نقاط اساسية من بينها النقطة ١ جنوبا والنقطة ٦ شمالا، ورغم ان الاتفاق وقع سياسيا وتقنيا، الا انه لم يمر بجميع المراحل الدستورية اللازمة ليصبح نافذا في لبنان، ولم يتم ايداعه لدى الامم المتحدة.
فكان السبب الرئيسي لعدم استكمال تثبيت الاتفاق وقتها هو ان لبنان اكتشف ان الكيان الاسرائيلي استغل اعتماد النقطة ١ كمرجع تفاوضي مع قبرص، فابرم الطرفان لاحقا عام ٢٠١٠ اتفاقاً اعتمد ذات النقطة، مما انعكس سلبا على حصة لبنان المفترضة جنوبا، عندها اعتبرت الدولة اللبنانية ان خط ٢٠٠٧ بحاجة الى تعديل، لأنه ينطلق من نقطة تخالف مصلحتها البحرية، ولأن اختيار نقطة الانطلاق لا يمكن فصله عن حقوق لبنان في مواجهة إسرائيل، و بين ٢٠٠٧ و ٢٠١١ بدأ لبنان بمراجعة شاملة للخرائط البحرية من خلال لجان تقنية متخصصة، وانتهت هذه اللجان الى اعتماد النقطة ٢٣ كمنطلق عادل للترسيم استنادا الى الشكل المتعرج للساحل اللبناني و اجتهادات المحاكم الدولية التي تربط العدالة البحرية بمراعاة شكل الساحل عند احتساب الخطوط، عندها في عام ٢٠١١ اودع لبنان اعلاناً احاديا لدى الامم المتحدة يحدد حدوده البحرية الجنوبية حتى النقطة 23. وبهذا اصبح خط 2007 غير معتمد لبنانياً وتطلب الامر اعادة فتح مفاوضات جديدة مع قبرص تأخذ بالحسبان واقع النزاع البحري اللبناني الاسرائيلي.
لم يكن ممكنا فصل المسار اللبناني القبرصي عن المسار اللبناني مع الكيان الإسرائيلي، فكل تعديل يجريه لبنان جنوبا يؤثر تلقائيا على النقطة التي تنطلق منها قبرص نحو الجنوب في اتجاه فلسطين المحتلة، لذلك فضلت قبرص في مرحلة ما تجميد اي تعديل، كي لا تتصادم مع اتفاقها الموقع مع اسرائيل عام ٢٠١٠، وهكذا بقي الاتفاق اللبناني القبرصي مجمدا طوال سنوات حتى عودته عام ٢٠٢٢، أي بعد توقيع اتفاق الترسيم البحري بين لبنان والكيان الاسرائيلي بوساطة اميركية انكسرحينها العامل الذي كان يعطل اي تفاوض مع قبرص، فقد اصبح للحدود الجنوبية اللبنانية خط واضح ومودع دولياً لدى الأمم المتحدة، وأصبحت النقطة ٢٣ جزءا من اتفاق نهائي مع الكيان الإسرائيلي، عندها فتحت قبرص الباب امام مفاوضات جديدة مع لبنان لاعادة النظر في اتفاق ٢٠٠٧.
خلال ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ عقدت عدة جولات تقنية بين وفود لبنانية وقبرصية رسمية، وتمت مراجعة نقاط خط الوسط ومقارنتها بخط ٢٠٠٧، وقدمت بيروت مجموعة خرائط محدثة مبنية على الداتا الرسمية المودعة لدى الامم المتحدة وحسابات الاسقاط الجغرافي، واظهرت قبرص مرونة وجدية خصوصا مع رغبتها بالابتعاد عن اي نزاع اقليمي يؤثر على مشاريع الطاقة في شرق المتوسط.
….
كانت مرونة التفاوض طاغية بين لبنان وقبرص، باستثناء نقطة الأساس، فكما ذكرنا انه لا يوجد نص ملزم في اتفاقية قانون البحار يحدد كيفية اختيار نقطة الانطلاق غالباً ما تعتمد الدول مبادئ آخر نقطة برية ثابتة على الساحل و ابعد نقطة يمكن احتسابها من خط الاساس المعترف به دوليا مع الحرص على عدم الاضرار بحقوق دولة ثالثة، ففي الحالات التي توجد فيها ثلاث دول متجاورة، كما هو الحال بين لبنان وقبرص والكيان، تصبح نقطة الانطلاق نتاج توازن بين حقوق الدولة الأولى و حقوق الدولة الثانية مع تجنب خلق نزاع مع الدولة الثالثة.
فبين لبنان وقبرص أصبحت النقطة ١ تعتمد خط اقصر متجها نحو الجنوب، وهو ما استفادت منه اسرائيل في مفاوضاتها مع قبرص، اما النقطة ٢٣ فتقوم على تفسير اوسع لشكل الساحل اللبناني وهي اقرب الى مبدأ العدالة البحرية، وهذا ما تبناه لبنان في اعلان ٢٠١١ ثم في اتفاق ٢٠٢٢ مع إسرائيل، عند مراجعة حالات مشابهة مثل ليبيا ومالطا او رومانيا وأوكرانيا اوالسنغال وغينيا، يتبين ان المحاكم الدولية لا تعطي وزنا كبيرا للنقطة الاولى كعنصر ثابت، بل تركز على منهجية رسم الخط ككل وبشكل مرن فبالتالي ان اختيار نقطة الانطلاق ليست جامدة بل جزء من معادلة موازنة للدبلوماسية و الحقوق.
بعد اكتمال المفاوضات التقنية والدبلوماسية، وصل الطرفان اللبناني والقبرصي اليوم الى تفاهم نهائي يعتمد خط الوسط المعدل بالاستناد الى مرجعيات لبنان، وعلى هذا الاساس جرت مراسم التوقيع الرسمي في القصر الجمهوري في بعبدا، ليصبح الاتفاق حلقة مكملة لسلسلة الترسيم البحري اللبناني بانتظار الحدود مع سوريا ليتم الترسيم كاملاً.
ويمثل هذا التوقيع نقطة تحول لأنه اغلق الثغرة الحدودية البحرية للبنان مع دولة قبرص، ومهّد لفتح افق تعاون اقتصادي وطاقوي بين بيروت ونيقوسيا، خصوصا في مجال خطوط الغاز ومشاريع الربط الكهربائي البحري، والاهم انه اصبح بإمكان لبنان ممارسة صلاحيات التنقيب دون قيود في منطقته الخالصة المحددة رسمياً مع قبرص.
تظهر التجربة اللبنانية القبرصية ان قواعد قانون البحار كما سائر الاتفاقيات الدولية ليست نصوصا جامدة بل ادوات مرنة تخضع للتفاوض وتوازن المصالح، وان اختيار نقطة الانطلاق البحرية ليس قرارا تقنيا فقط بل خيار سيادي يتأثر بوجود دول ثالثة وبالتحولات الإقليمية، ومع التوقيع النهائي في بعبدا يكون البلدان قد تجاوزا مرحلة طويلة من التعقيد وعادا الى قاعدة التفاهم المباشر ضمن اطار قانوني واضح، ما يفتح الباب امام مرحلة جديدة من الاستقرار البحري والاستفادة من الثروات في شرق المتوسط.
