في مدينة بلباو أقصى شمال إسبانيا، عاصمة إقليم الباسك المتمتع بالحكم الذاتي كغيره من الأقاليم الإسبانية الأخرى، يكاد السائح الزائر يعتقد أنّه في مدينة عربيّة أو مسلمة، كأنه في بيروت أو الجزائر أو طنجة أو طهران، حيث الأعلام الفلسطينية والكوفية رمز الثورة، ومظاهرات لم تتوقف منذ عامين، وكره شديد لدولة الإبادة والجرائم “إسرائيل”، لكن لغة السكان وسحناتهم تعيده إلى أرض الواقع، إسبانيا، كل شيء هنا، إسباني باسكي خالص.
يوم أمس، كان ملعب سان ماميس الجميل الواقع بقلب مدينة بلباو وعلى ضفة نهر “نيريفيون” الشهير، كعلى موعد مع مباراة خيرية ربما هي الأولى من نوعها في أوروبا، بين المنتخب الفلسطيني ومنتخب إقليم الباسك، حضرها ما يناهز الستين ألف متفرج من الإسبان والجاليات العربية المقيمة، كلّهم هتفوا بكلمة واحدة “فلسطين حرّة”، فيما عائدات المباراة الخيريّة ستذهب إلى قطاع غزة الجريح.
صور وأعلام فلسطينية وحضور رسمي وازن قبل وصولها إلى الملعب، نظّمت الجماهير مسيرة ضخمة في شوارع المدينة، مطالبة بوقف حرب الإبادة وحصار قطاع غزة، وشدّدت على ضرورة ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وعدم إفلاتهم من العقاب، كما دعا المتظاهرون إلى مقاطعة إسرائيل وداعميها، وتمكين حصول الفلسطينيين على الحق في دولة مستقلة.

ومع دخول اللاعبين رفعت الجماهير الباسكية أعلام فلسطين والكوفيات وصور شهداء حرب الإبادة وضحايا المجازر الإسرائيلية، كما تزيّن الملعب ب “تيفو” العلم الفلسطيني جنب علم إقليم الباسك، وهما بنفس الألوان تقريبا، في مشهد عكس مدى التضامن الإسباني مع القضية الفلسطينية، وحجم التعاطف الإنساني.
وعرفت المباراة التاريخية الأولى لمنتخب فلسطين في ملعب أوروبي، حضورا رسميّا بارزا، حيث حضرت وزيرة الشباب والطفولة في الحكومة الإسبانية سيرا ريغو، وشخصيات رياضية وسياسية فلسطينية وإسبانية وعالمية متعدّدة. فيما طبعت أطوار اللقاء، نديّة بين لاعبين فريق إقليم الباسك ومنتخب الفدائي، وانتهت بفوز الباسكيين بثلاثية نظيفة، وسط أجواء مفعمة بالروح الرياضية والتضامنية بين اللاعبين.
السردية الفلسطينية تنتصر
لا شك أن حدثا رياضيا خيريا كهذا، وهو يبثّ مشهدا إنسانيا غير مألوف في أي دولة أوروبية ولا حتى عربيّة، لن يُعجب أطرافا أخرى، لن يعجب إسرائيل وأخواتها، لأنه يضرب وينسف بكل سرديّاتها الكاذبة، ويفضح إجرامها وحقارتها تجاه شعب أعزل ضعيف، تآمرت كل قوى العالم على سحقه لكنّه لم يُسحق، ويؤكدّ على أحقية ومشروعية وعدالة الحق الفلسطيني في دولة تتمتّع بكل مقوّمات الحياة، كما أنّه يُرسّخ صحوة “أوروبية” وإن أتت متأخّرة جدا لكنها ستستمر وتتوسّع.
وذكر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم أن المواجهة حملة رسالة إنسانية تؤكد على “قدرة الرياضة على فتح نوافذ للتواصل بين الشعوب، وتسليط الضوء على الظروف القاسية التي تواجه الرياضة الفلسطينية.
أما سلطات إقليم الباسك، فقد ذكرت أن الهدف من إقامة اللقاء الودي يتمثل في دعم الاعتراف بدولة فلسطين، وتشجيع مشاركتها في المباريات الدولية، وتعزيز الجهود الرامية لإحلال السلام في غزة.
الرحلة الفلسطينية متواصلة
ويُعدّ المنتخب الفلسطيني منتخبا رسميا، مُعترف به لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، وسبق له أن شارك في البطولات القاريّة الدولية مثل كأس آسيا، والتصفيات الآسيوية المؤهلة لكأس العالم، ويحتل المركز 98 عالميا في التصنيف العالمي للمنتخبات.
وستتواصل رحلة منتخب الفدائي في إسبانيا، حيث يتوجه إلى برشلونة الثلاثاء القادم لمواجهة منتخب إقليم كاتالونيا في ملعب “مونتجويك”، في مباراة يُتوقّع أن تكون بنفس الزخم وروح التضامن العالية تجاه القضية الفلسطينية، فيما الآمال تتجه للقاء بين المنتخب الرسمي الإسباني مع فلسطين، كخطوة ستكون سابقة في تاريخ الكرة الإسبانية والأوروبية.
جدير بالذكر، أن الحرب الإسرائيلية على فلسطين خلال العامين الأخيرين، دمّرت جميع الملاعب والمنشآت الرياضية بقطاع غزة، وقتلت ما يزيد عن 1000 رياضي فلسطيني بما فيهم لاعبون في صفوف المنتخب الرسمي، فيما أصيب الآلاف.

