في الدار البيضاء، ارتفعت أعلام فلسطين والكوفيات الفلسطينية، وأصوات صدحت بشعارات مؤيدة للقضية الفلسطينية وللقضايا العادلة، وناشطون ومناضلون من اليسار وتيارات أخرى، قد يعتقد البعض أنا الأمر يتعلق بمسيرة أو وقفة احتجاجية معتادة، لكنّ الحقيقة أنها كانت جنازة تاريخية في المغرب للمناضل المغربي سيون أسيدون الذي فارق الحياة يوم الجمعة الماضي عن سنّ يناهز 77 سنة، وأقيمت مراسيم جنازته يوم أمس الأحد.

سيون أسيدون المناضل الحقوقي المغربي واليهودي الديانة، يُعدّ من أبرز مناضلي اليسار الماركسي المغربي، ولد بمدينة آسفي سنة 1948 من عائلة يهودية أمازيغية، ثم انتقلت العائلة إلى أكادير وإلى الدار البيضاء بعد زلزال 1960 الشّهير بأكادير، وبعد ذلك إلى فرنسا حيث تابع دراسته في مجال الرياضيات بباريس وهناك اكتسب وعيا سياسيا مُهمّا حول اليسار والاشتراكية، وعاد إلى المغرب سنة 1968.
عُرف الراحل سيون أسيدون بكوفيّته التي لم تفارق عنقه في أي محفل، وطربوشه الأسود ونظراته الثاقبة خلال كل وقفة وكل مسيرة وكل فعاليّة حقوقية لم يتغيّب عنها، ويد تحمل العلم الفلسطيني وأخرى المغربي، وإسرائيل “الدولة اليهودية” التي يُفترض أن ينتمي لها كونها “دولة اليهود” كان يطالب دوما بمقاطعتها وعدم الاعتراف بها، فهو منسق وقيادي مؤسس في حركة مقاطعة إسرائيل العالمية BDS.
اقتنع أسيدون في مشوار حياته بأن “الصهيونية” لم تكن هي الحل للمسألة اليهودية، وذلك عبر قراءاته المبكرة لأفكار ماركس والشيوعية، وحين تزامنت عودته إلى المغرب مع حدث النكسة 67، اكتشف الأكاذيب والأساطير التي روّجتها الحركة الصهيونية، وانخرط ضمن اليسار المغربي، وكان من مؤسّسي منظمة 23 مارس 1970 اليسارية وهي منظمة كانت تهدف لنشر الفكر الثوري وتؤمن بضرورة أن يكون الحكم بيد الشعب، مُدافعا بذلك عن القضايا الوطنية الحقوقية وعن القضية الفلسطينية التي شكّلت جزءا لا يتجزأ من النضال اليساري المغربي، وقد كلّفته مسيرته النضالية12 سنة من السجن خلال فترة “سنوات الرصّاص” السوداء في المغرب بين 1972 و1984.
كان سيون أسيدون اليساري الانتماء مُدافعا عن حقوق الإنسان الآخر مهما كانت انتماءاته وأيديولوجيته ودينه، وهو إذ كان يُفرّق بتفكير نقدي عال بين الديانة اليهودية وبين الصهيونية بصفتها حركة سياسية، فإنه كان يناهض التمييز العنصري بكل أشكاله، وقد سجلّ مواقف متعددة في مساره النضالي أهمّها الوقوف ضد الميز العنصري ضد الفلسطينيين، ورفضه وصف المقاومة الفلسطينية وحركة حماس بالإرهابية.
يعرفه الرّفاق اليساريون حق المعرفة في المغرب والعالم العربي، ويعرفه الإسلاميون كذلك معرفة جيّدة، ويعرفه الفلسطينيون أكثر، فهو كان صوتا إنسانيا خالصا وصادقا في زمن كانت تتغير فيه الأصوات حسب المصالح، وتُباع فيه المبادئ في سوق السياسة كما البضائع، لكنّه ظلّ ثابتا على مواقفه ومبادئه كثبات الجبل، وقفز بإنسانيته عن كل الحسابات الضيقة الطائفية والسياسية، وأحبّ وطنه المغرب بكل ما فيه من تنوع وثراء فكري وثقافي وعرقي وإثني، ولم يُفرق يوما بين أبنائه، وخلال جنازته المهيبة رُفعت الصلوات اليهودية إلى جانب تلاوة القرآن الكريم بين مُحبّيه المسلمين، في مشهد إنساني محض .
يرحل سيون أسيدون وهو يترك في ذاكرة المغرب بصمة نضالية لن تُمحى مع الزمن، تنضاف إلى بصمات تاريخية أخرى تركها الراحل أبراهام الصرفاتي وآخرون كثر، ويترك دمعة حارقة على خد رفاقه المستمرين في النضال ومواصلة المسيرة حتى النهاية لأجل العدالة الإنسانية والكرامة والحق العادل لكل شعوب الأرض، وهم يهتفون أثناء تشييعه بجملة واحدة فقط “أسيدون ارتاح ارتاح، سنواصل الكفاح”.
