حين يتم الحديث عن منطقة المغرب الكبير، الممتدة من شمال إفريقيا وسواحله المتوسطية إلى الصحراء الكبرى، لا يُمكن تجاوز دول الساحل والصحراء الحدودية مع بلدان المغرب، ولعلّ دولة تشاد واحدة من أبرز دول الساحل التي تتميّز بتنوع ثقافي وعرقي فريد، وتُعدّ اللغة العربية واللهجة التشادية العربية هي الأكثر انتشارا بين سكّانها.
كان للوكالة العربية الإفريقية للأنباء فرصة للتعرّف على رؤية أبناء تشاد للمنطقة العربية والمغاربية ونظرتهم للإعلام في هذا الإقليم الشاسع وكيفية تناوله للقضايا الكبرى وقدرته على إيصال الصوت الإفريقي للعالم العربي وكل العالم، وذلك من خلال حوار خاص مع نقيب الصحفيين في دولة تشاد السيد عباس محمود طاهر ويشغل أيضا منصب الأمين العام لصحافيي دول الساحل.
أجرى الحوار: أيمن مرابط

1. ماذا تُمثل لكم هذه الندوة المغاربية بالرباط، وهل هي مناسبة للتعريف بالقضايا الإفريقية التي لا يعرفها الجمهور المغربي والعربي؟
بالفعل، هذه الندوة مثّلت فرصة لنا للحديث عن القضايا والمشاكل المشتركة بين شعوب المنطقة المغاربية ومنطقة الساحل الإفريقي وذلك لأننا لدينا تحديات مشتركة ومصير مشترك ولذلك لا بد أن يتم تسليط الضوء على مجمل القضايا ذات الاهتمام المشترك، من بينها قضايا التبادل الاقتصادي والتجاري والهجرة، والقضايا الأمنية، فضلا عن التحديات الإعلامية المشتركة، وتنامي خطاب الكراهية، والتحديات التي فرضتها الرقمنة.
كل ذلك يتطلب منا نحن شعوب هذه المنطقة رؤية موحدة من أجل تعزيز العمل الإعلامي، بهدف تعزيز التبادل والتنمية لشعوب المنطقة.
هناك هامش صغير ومحدود للقضايا الإفريقية والمغاربية، وبالتالي لا بد من إيجاد رؤية واضحة وموحدة للقائمين على الاتصال في المنطقة، بحيث يكون هناك دبلوماسية إعلامية وتبادل إعلامي لإيجاد أطر لتعزيز التعاون، وأن يسلط الإعلام المغاربي الضوء على القضايا الإفريقية وأن يقوم الإعلام بمنطقة الساحل الإفريقي بالشيء نفسه مع القضايا المغاربية.
ويكون المتلقي في كلا المنطقتين على اهتمام وإلمام مشترك، لأنه من الضروري جدا أن نكون على اتصال، وهو يتم عبر وسائل الإعلام.
2. كيف يمكن صياغة خطاب إعلامي إفريقي ومغاربي يصل للمشاهد العربي بقوة وجرأة، بحيث القضايا الإفريقية لا يعرفها جلّ العرب بالمشرق في حين أبناء المغرب والساحل الإفريقي يعرفون جيدا المشرق، كيف يمكن تخطّي هذه المسألة وبناء جسور تواصل مستدام بين المنطقتين؟
لا بد من الاستثمار القوي في مجال تقنيات الإعلام بهدف إيجاد وسائل قوية وفاعلة، تستطيع أن تلج وتنفذ إلى هذه المناطق، وإلى دول المشرق والغرب ومخاطبتها بلغتها، وما لم نحصل على وسائل إعلام قوية ومنافسة من حيث الشكل والمضمون، لا يمكن أن تصل رسالتنا، ولذلك يجب أن يتم الإنفاق في مجال الإعلام، لإيجاد قدرات إعلامية مميزة وتوفير التقنيات المطلوبة، لأن هذا العصر هو عصر البقاء للأقوى، ولذلك لا بدّ من بناء وسائل إعلامية تستطيع إيصال رسالتها إلى كل العالم بسردية جديدة تُعطي الأولوية للقضايا المغاربية والإفريقية.
كثيرا ما تقول السردية الإعلامية عن إفريقيا اليوم، بأنها قارة التخلف والنزاعات والحروب، هذه هي الصورة النمطية المروجة للأسف، في حين أن الإعلام الإفريقي مطلوب منه أن يُقدّم رواية مختلفة وجديدة، فعلى رغم وجود تلك المشاكل، إلاّ أنّ إفريقيا هي أرض المستقبل والموارد الطبيعية، وهي قارّة شابّة فيها العديد من المقومات والمقدرات التي تجعل منها واعدة، وهذا لا يمكن أن يقوم به الإعلام الدولي، لأنه لا بد من وجود إعلام إفريقي يقدم هذه السردية الجديدة وفقا للرؤية الإفريقية وللمصالح الإفريقية، للقضاء على السردية النمطية السائدة.
3. بالنسبة لك وأنت صحفي وباحث في القضايا الجيوسياسية بالمنطقة، هل تعتقد أن القارة الإفريقية هي متأثرة بما يحدث في المشرق وكل العالم أم هي باتت اليوم تُؤثّر في مناطق العالم؟
قد لا أكون دقيقا في تقييمي، ولكن سأنطلق من أن الإعلام في المشرق العربي قوي والقضايا التي تدور في الشرق الأوسط هي الأكثر تناولا، ولعلّ ذلك يجعل من منطقتنا تتأثر بالشرق وقضاياه، وهذا يجعلنا نكون أيضا على قدر المسؤولية ونسعى لتقديم أصواتنا ولا نضل تابعين، ورغم أننا في عالم هو “قرية” مثلما تصوره مارشال ماكلوهن في نظريته “الحتمية الإلكترونية”، والآن أصبح العالم غرفة، والكل يشاهد ما يحدث الآن في أرجاء العالم، وفي هذا العصر والانفتاح الذي ألغى المسافات والقيود لا بد من أن نُقدّم رؤيتنا وما نراه لا أن نكون مجرد تابعين، بل نُؤثّر ونتأثر بكل ما يجري في العالم.
4. هل تُعيق النزاعات الموجودة في المنطقة المغاربية وبالساحل الإفريقي تُعيق مسارات التنمية والوحدة الإقليمية بين البلدان والشعوب، وتُعيق مبادرات كبرى مثل المبادرة الأطلسية التي أطلقها العاهل المغربي، وهل يُمكن لهذه المبادرات أن تذهب في مسار ناجح؟
والله أستطيع أن أقول طالما هناك خلاف في الرؤى ووجهات النظر فهو بلا شك يؤثر في تحقيق هذه المبادرات، ولذلك نحن لا بد أن ننظر في اتجاه واحد ونُوحد قدراتنا وتكون لنا وجهة نظر واحدة، بهذا الشكل نستطيع أن نضافر جهودنا ونواجه التحديات، لكن إذا كانت لدينا اختلافات بينية سوف نقضي جهدا ووقتا في إطار هذه الخلافات والمناكفات التي تؤخر مسار التنمية والتطور في بلداننا.
وكما تعلم فالاتحاد قوة والتفرق ضعف، وبالتالي لا بد لصنّاع القرار ولقادة الرأي في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي أن يعووا بأهمية الوحدة وتجاوز الخلافات التي أخرّت التقدم، وشعوب منطقتنا تحلم بأن تكون في مستوى شعوب العالم، تتطور وتفكر في مستقبل أفضل للأجيال القادمة، وهذا لا يتأتّي إلا في ظل تظافر الجهود وتجاوز الخلافات التي تزرع الكره والبغضاء وتقف كحجرة تعيق تحقيق مبادرات التنمية المنشودة لشعوبنا.
