تشهد مالي واحدة من أكثر المراحل دقة في تاريخها الحديث، مع تصاعد العنف المسلح، وتدهور الوضع الأمني والإنساني، واتساع دائرة العزلة الدولية حول المجلس العسكري الحاكم في باماكو.
فبينما تستمر جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم القاعدة في فرض حصار خانق على العاصمة، تتسارع التحذيرات الدولية من “انهيار وشيك” للدولة التي كانت حتى سنوات قليلة محور الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي.
الهجوم الإرهابي الأخير الذي أودى بحياة 14 مدنياً في بلدة ليري بوسط البلاد، أعاد تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني. الجماعة المسلحة اختطفت الضحايا قبل أن تنفذ فيهم الإعدام، متهمة إياهم بالتعاون مع الجيش المالي، في مشهد يعكس اتساع رقعة العنف التي لم تعد تقتصر على الشمال أو المناطق الحدودية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الهجمات، نصحت عدة سفارات غربية رعاياها بمغادرة مالي “مؤقتاً وبأسرع وقت ممكن” بسبب “تدهور الوضع الأمني حتى في باماكو”. يأتي ذلك في ظل استمرار حصار العاصمة للشهر الثاني على التوالي، مع انقطاع الطرق الرئيسية ونقص الوقود وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة.
سياسياً، يبدو أن المجلس العسكري برئاسة العقيد أسيمي غويتا ماضٍ في إحكام قبضته على السلطة، إذ أعلن في مايو الماضي تمديد المرحلة الانتقالية ثلاث سنوات إضافية، بعد حلّ جميع الأحزاب السياسية، في خطوة أثارت انتقادات داخلية ودولية واسعة. وفي المقابل، تتنامى معارضة داخلية تسعى لاستغلال الفوضى الأمنية لزعزعة النظام من الداخل.
في خضم هذه التطورات، كشفت مصادر دبلوماسية عن اتصال أمريكي رفيع المستوى جرى الأسبوع الماضي بين مسؤولين من الخارجية الأمريكية وقيادة المجلس العسكري في باماكو، تناول “القلق البالغ” إزاء تدهور الوضع الإنساني والأمني، وحثّ السلطات على وضع جدول زمني واضح للانتقال السياسي وفتح المجال أمام العمل الإنساني. الاتصال عُدّ من قبل مراقبين “إنذارًا مبكرًا” من واشنطن بشأن احتمال فقدان السيطرة في البلاد، خاصة بعد انسحاب القوات الغربية وتراجع الدور الأممي.
اقتصادياً، تعاني مالي من أزمة وقود خانقة وركود تجاري شبه تام، رغم تلقيها إمدادات طارئة من موسكو في أكتوبر الماضي، ومع ذلك، يتوقع البنك الدولي أن يسجل الاقتصاد المالي نموًّا بنسبة 4.9% في عام 2025، مدعوماً بقطاع التعدين خصوصاً الليثيوم، وهو ما يمنح الحكومة متنفساً محدوداً في ظل التدهور الأمني المستمر.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو مالي عالقة وسط تساؤلات عن مدى قدرة النظام القائم على الصمود أمام الضغوط الأمنية والسياسية المتزايدة. فهل تقترب باماكو من السقوط فعلاً، أم أن الدعم الروسي كفيل بإبقاء النظام العسكري قائماً على حافة الهاوية؟
