تثار توقعات في الأوساط الدولية عن وجود إرادة إسرائيلية حقيقية لشن حملة عسكرية جديدة على لبنان، الا ان هدفه ليس فقط نزع سلاح حزب الله كتحرك بديل عن الحكومة اللبنانية، انما الهدف تكتيكياً اكثر منه استراتيجياً بعض الشيء، وهو مسعىً إسرائيلي لقضم أراضٍ جدد في جنوب لبنان، بمعنى توسيع النفوذ الإسرائيلي عبر تعديلاً للأمرالواقع على الأرض وليس مجرد تهديدات كلامية فقط، فالمشهد في جنوب لبنان و تحديداً قرب الحدود الفلسطينية أي بمحاذاة الشريط الحدودي مع العدو يشهد تحركات متنوعة تبيح للمحلين أن إسرائيل تعمل لإنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، فثمة تحليلات تشير إلى أن هذا الأمر ليس فقط ذو طابع دفاعي أو أمني في إطار مواجهة حزب الله فحسب، بل يدخل في إطار رؤية أوسع تُدار من إسرائيل ومن خلفها مخطّط إسرائيلي إقليمي أكبر.
في هذا السياق، يرتبط هذا التوجّه الإسرائيلي بمشروع ممر داوود الذي يُعدّ إحدى الرؤى الاستراتيجية التي تُحاول تل أبيب من خلالها تكوين مسار جغرافي-أمني-اقتصادي يمتد من حدود الكيان الإسرائيلي باتجاه شمال شرق سوريا والعراق وربما أبعد، ان فكرة الممر كما وردت في التقارير والمقالات، تتلخص بأن إسرائيل تسعى إلى مد سيطرتها ونفوذها عبرمنطقة تمتد من الجولان المحتل مروراً بدرعا والبادية السورية حتى منطقة التنف على الحدود السورية-العراقية وصولاً إلى العراق.
أما عن فكرة الممر بحد ذاتها فهي متعددة الأبعاد، ففي البعد الأمني قطع محور الإمداد بين إيران وحزب الله عبر سوريا إلى لبنان، و في البعد الاقتصادي والجغرافي هدفه السيطرة على مسارات برّية بديلة لقناة السويس أو الطريق البحري التقليدي، وكذلك الربط بالخليج العربي برياً، وهكذا يُطرح أن ممر داوود ليس فقط أمنياً، بل اقتصادياً أيضاً، اما في البعد الديموغرافي والجيوسياسي هدفه تفتيت سوريا والعراق إلى كانتونات أو مناطق نفوذ أقل تحت سيطرة إسرائيلية أو وتيرة تطبيعٍ أسرع مع إسرائيل من الدول العربية ما يتيح لأرضية تمهيدية لدولة اسرائل الكبرى، مع تحالفات طائفية وأثنية تدعم هذا التفتت، كما تشير بعض التحليلات.
وبالتالي، فإن ما يحدث في جنوب لبنان يُقرأ من هذه الزاوية ليس فقط كجزء من الصراع الحدودي اللبناني الإسرائيلي الدائم، بل كحلقة أولى و بوابة لتطبيق هذا الممر، حيث لو استطاعت إسرائيل ترسيخ منطقة نفوذ أو شريط أمني داخلي داخل جنوب لبنان فهذا يعني الوصول إلى خطوة واقعية نحو تغيير الواقع الجغرافي والسيادي في تلك المنطقة، وضمنها ربما فرض أمر واقع يُسهّل ربط ما لديها من مواقع داخل سوريا أو عبر حدودها باتجاه العراق، ومن هذا المنطلق، فإن قضم أراضٍ ليس بالضرورة معناه احتلالاً معلناً فحسب، بل قد يكون استحداثاً لمنطقة نفوذ أو تدرّجياً بما يُسهّل الربط بين جنوب لبنان وسوريا جنوباً ثم شرقاً.
فلننقل النظر قليلاً إلى الجانب الاخر، اي الاتفاقات الأمنية مع سوريا، ففي الاونة الأخيرة تَبلورت اتصالات بين الجنوب السوري إسرائيل برعاية أميركية حول ترتيبات أمنية في جنوب سوريا، تشمل هذه الاتفاقيات حملاً ثقيلاً من بنود تتعلق بمنع وجود قوة نظامية سورية أو قوى إيرانية أو قوى موالية لها في الجنوب السوري، تحديداً في محيط درعا والبادية نحو التنف، هناك تقارير متعددة تشير إلى أن دمشق وواشنطن تعملان معاً على اتفاق أمني لاجل إسرائيل في جنوب سوريا، بما يتضمّن بالشكل احترام سيادة سوريا لكن أيضاً إحداث ترتيباتٍ تُرضي إسرائيل عملياً وتوقف ما تعتبره تهديداً من حدودها الشمالية.
إذ لا تزال سوريا تؤكد أن أي اتفاق أمني لن يكون مقبولاً من دون انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، لذلك السعي الان الى اعتبار هذا الاحتلال هو اتفاق امني لا يطيح بسيادة النظام السوري كتأجير الجولان ل ٩٩ عاماً، لكن من جهة إسرائيل يطرح الأمر على أنه خط دفاعي دائم أو منطقة نفوذ تمنع دخول قوات سورية أو حلفائها إلى الجنوب ومناطق مثل القنيطرة ودرعا والجبال المجاورة سيما جبل الشيخ.
ففي تفاصيل محددة في السويداء، تم التفاوض على فتح معبر إنساني أو آلية مساعدات عبر حدود إسرائيل أو عبر الجنوب السوري، ضمن بنود التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب، كذلك تحدثت التقارير عن محادثات إسرائيلية-سورية لتبادل أراضٍ مثلاً أن إسرائيل قد تفكّر بمنح منطقة مزارع شبعا اللبنانية إلى سوريا مقابل التخلي عن جزء من الجولان دون شروط، لكن هذا ما زال في مرحلة غير معلنة رسمياً، وفيما يتعلق بالخطوط الحمراء لإسرائيل، فإن الرئيس الإسرائيلي أعلن أن بلاده لن تسمح لقوات سورية أو جماعات مثل هيئة تحرير الشام بأن تدخل مناطق جنوب دمشق (درعا، السويداء) أو أن تتواجد فيها قوات تُشكّل تهديداً لإسرائيل.
وبالتالي، فإن الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل يبدو الآن كمشروع قيد التنفيذ أو ما قبل الاتفاق النهائي، لكنه يتضمّن بنوداً جوهرية، كعدم انتشارٍ عسكري لنظام دمشق جنوباً (درعا والسويداء) وصولاً الى التنف، ويبقى فتح ممرات إنسانية أو اقتصادية بشروط إسرائيلية وربما إعادة ترسيم خطوط النفوذ من الحدود الإسرائيلية باتجاه شرق سورية وذلك كله في سياق مشروع ممر داوود.
من هنا نستطيع أن نرى ترابطاً بين نية إسرائيل في جنوب لبنان إنشاء شريط نفوذ أو قضم أراضٍ بشكل أو بآخر، وفكرة الممر التي تشرح خلفية استراتيجية لهذا التوجّه، والمفاوضات الأمنية السورية-الإسرائيلية التي تمهّد لتطبيق الممر أو أجزاء منه عبر الجنوب السوري، وصولاً إلى التنف.
وبالطبع، تبقى هناك عقبات كبيرة أمام هذا المشروع منها دولية تتعارض غالباً مع قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، ومنها الإقليمية فتركيا وإيران وروسيا ترفض تفتيت سورية واستحداث مناطق نفوذ إسرائيلية واسعة، والعقبة المحلية مقاومة غير محسوبة من بعض السوريين إضافة إلى المقاومة اللبنانية لأي تأسيس لهذا الوضع الجديد، لكن من الجهة الإسرائيلية فإن فترة ضعف الدول في المنطقة مع عملياتها العسكرية والتغيّرات السياسية جعلتها ترى أن فرصة التطبيق أصبحت أفضل.
بالمجمل يمكن القول أن إسرائيل تضع نِيّة واضحة لتوسّع نفوذها في جنوب لبنان، ليس فقط دفاعياً أو انتقامياً، بل في إطار مشروعٍ استراتيجي أكبر يُعرف بممر داوود، وهذا المشروع يُعطى اليوم زخماً عبر تحالفات أمنية مع سورية وخطوات ميدانية على الأرض في الجنوب السوري، وفي هذا السياق فإن جنوب لبنان قد يكون الحلقة الأولى اذا ما سلم الأراضي باتفاق امني عبر مفاوضات مباشرة وفق المطلب الإسرائيلي وقد يكون رئيس المخابرات المصري اللواء حسن رشاد وسيطاً تفاوضياً لهذا الغرض، والا فالحل الإسرائيلي سيكون عبر عمليات عسكرية تصعيدية في العمق اللبناني للتعمية على عمليات قضم أراضي جديدة في الجنوب تضاف الى النقاط الخمس الحالية.
