شهد النظام الدولي في العقدين الأخيرين تحوّلاً بنيوياً في موازين القوى، يتجلّى أساساً في صعود الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية تنافس الولايات المتحدة. في ظلّ هذا التبدّل، تعمل واشنطن على إعادة توجيه أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية نحو “احتواء” هذا الصعود. ويُعدّ الشرق الأوسط إحدى الساحات التي تلعب فيها الولايات المتحدة دوراً مزدوجاً: تثبيت الاستقرار الموجّه من جهة، وتطويق النفوذ الصيني من جهة أخرى.
منطق “السلام بالقوّة”
يشير مفهوم “السلام بالقوّة” إلى سياسة فرض استقرارٍ مشروط باستخدام أدوات ضغطٍ عسكرية أو اقتصادية أو دبلوماسية. لا يهدف هذا النمط من “السلام” إلى إنهاء النزاعات جذرياً، بل إلى إدارتها ضمن توازنٍ يضمن مصالح الطرف الأقوى.
في الحالة الأميركية، يشكّل هذا المفهوم امتداداً لنهج تاريخي يقوم على:
1- إدارة الأزمات بدلاً من حلّها
2- إعادة تشكيل بيئات الأمن الإقليمي بما يخدم الاستراتيجية العالمية
3- استخدام التحالفات المحلية كأذرع تنفيذية للنفوذ.
4- استخدام ” السلام” كأداة من أدوات الهيمنة، لا نقيضا لها.
الشرق الأوسط في حسابات التنافس الأميركي–الصيني.
يحتلّ الشرق الأوسط موقعاً مركزياً في شبكات التجارة والطاقة العالمية، كما أنّه يشكل محوراً في مشروع “الحزام والطريق” الذي تقوده الصين منذ عام 2013.. من هنا، يُفهم السعي الأميركي إلى تثبيت استقرارٍ نسبي في لبنان وسوريا وغزة ليس بوصفه غاية إنسانية، بل كوسيلة لإحكام السيطرة على الممرّات البحرية والموارد ومشروعات خطوط الأنابيب والمناطق اللوجستية. وعليه، فإنّ واشنطن تمارس ما يمكن تسميته بـ “السلام الوظيفي”، أي فرض تهدئة محدودة زمنيا وجغرافيا تتيح لها استخدام الموارد الإقليمية كوسيلة ضغطٍ غير مباشرة على بكين.
الأدوات الأميركية لتحقيق “السلام بالقوّة”
1. الأدوات الدبلوماسية: استخدام المفاوضات والوساطات لفرض تسويات مقيّدة تحافظ على التوازن الذي يخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
2. الأدوات الاقتصادية والمالية: توظيف العقوبات والقيود على التحويلات والاستثمارات لتقويض أي تحالفات اقتصادية خارج الإطار الغربي.
3. الأدوات العسكرية والأمنية: الإبقاء على قواعد عسكرية محدودة ولكن ذات تأثير استراتيجي.
4. الأدوات الإعلامية والثقافية: ترويج خطاب “السلام والاستقرار” بوصفه غاية إنسانية.
النتائج والانعكاسات
تُنتج هذه المقاربة مجموعة من النتائج المتناقضة على صعيد ثلاث مستويات:
على المستوى المحلي: استقرار نسبي قصير الأمد يقابله تآكل في السيادة الوطنية.
على المستوى الإقليمي: تكريس محاور استقطاب جديدة بين دول تميل إلى الغرب وأخرى تنفتح على الشرق.
على المستوى العالمي: انتقال المنافسة الأميركية–الصينية من المجال الاقتصادي إلى صراع على الجغرافيا والنفوذ الجيوسياسي.
الخاتمة
يُظهر تحليل السياسة الأميركية الراهنة أنّ “السلام بالقوّة” ليس غاية بحد ذاته، بل أداة لإدارة التنافس الدولي في مرحلة ما بعد الهيمنة القطبية. فبينما تعلن واشنطن رغبتها في تحقيق الاستقرار، تسعى في الواقع إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي بما يضمن استمرار تفوّقها في مواجهة الصين. إنّ التحدّي الحقيقي أمام دول المنطقة لا يكمن في رفض أو قبول هذا “السلام”، بل في إيجاد هوامش استقلال استراتيجي تمكّنها من تحويل أي استقرار مفروض إلى مصلحة وطنية حقيقية.
