لم تكن زيارة أحمد الشرع إلى موسكو مجرّد محطة دبلوماسية عابرة في مسار العلاقات السورية ـ الروسية، بل كانت لحظة مشحونة بالرمزية والتناقضات. فبينما حاولت القيادة السورية الجديدة أن تُظهر انفتاحاً براغماتياً على القوى التي كان لها حضور حاسم في الملف السوري خلال السنوات الماضية، كانت مشاعر الغضب والرفض الشعبي تتصاعد في الشارع السوري، الذي لا يزال بعضه يرى في روسيا شريكاً أساسياً في المأساة السورية، لا مجرد وسيط أو حليف تقليدي
وفي خضم هذا الجدل، بدأت الأوساط السياسية والإعلامية تتحدث عن أن من أهداف الزيارة توجيه الرئيس المؤقت أحمد الشرع طلباً مباشراً إلى القيادة الروسية بتسليم الرئيس السابق بشار الأسد، الذي فرّ إلى روسيا بعد انهيار نظامه، في محاولة لإخضاعه للمساءلة أمام القضاء السوري أو ضمن إطار العدالة الانتقالية. فهل يحمل هذا الطلب رغبة حقيقية في فرض منطق العدالة ؟؟
على الأرجح أن هذا الطلب هو أقرب إلى خطوة رمزية أو رسالة لتنفيس الغضب الشعبي أكثر منه تحركاً قابلاً للتنفيذ الواقعي.
ففي نظر كثير من السوريين، لا يمكن فصل موسكو عن عشرات آلاف الغارات التي دمّرت المدن والقرى، وعن الفيتوهات التي عطّلت أي مسارٍ للعدالة في مجلس الأمن. لذلك، جاءت زيارة الشرع إلى العاصمة الروسية محمّلة بعبء الذاكرة الجماعية، وبسؤالٍ أخلاقي وسياسي كبير : كيف يمكن التفاوض مع من شارك في نزف الدم السوري؟
طرح موضوع طلب تسليم الأسد للعدالة فيه تبرير من نوع ما لهذه الزيارة رغم إيقان السلطة السورية المؤقته استحالة تنفيذ هذا الطلب على أرض الواقع .
فموسكو، التي منحت بشار الأسد الحماية منذ سقوط نظامه، لا تملك مصلحةً في تسليمه، لأن في ذلك اعترافاً ضمنياً بدورها في دعم نظامٍ متهمٍ بارتكاب جرائم واسعة، ولأنه يُضعف موقعها كقوةٍ كبرى قادرة على حماية حلفائها. وبذلك، فإن احتمالات تجاوبها مع الطلب تكاد تكون معدومة، خصوصاً في ظلّ غياب أي ضغطٍ دولي حقيقي أو تفاهمات كبرى تفرض عليها تغيير موقفها
أما في الخارج، فقد قوبل الطلب بمزيج من الحذر والتجاهل. فالغرب وإن كان يرحّب نظرياً بأي تحرّك نحو المحاسبة، إلا أنه يدرك أن موسكو لن تتخلى بسهولة عن الورقة التي تمثلها شخصية “الأسد” و ليس هنالك على ما يبدو أي رغبة في ضغط دولي من أي نوع على روسيا في هذا الملف . أما روسيا نفسها، فاكتفت بتصريحات عامة عن “علاقات الصداقة” و”ضرورة الحفاظ على الاستقرار”، متجنّبةً الخوض في أي تفاصيل تتعلق بالتسليم أو المساءلة أو غيرها .
لقد وضع الشرع نفسه أمام اختبارٍ سياسي لا يملك كل أدواته. أما الشعب السوري، الذي شاهد زعماءه يطلبون من شريك النظام السابق محاكمة رأسه ، فقد بقي بين الشكّ والخذلان، يدرك أن هؤلاء الزعماء غير قادرين الا على تحقيق عدالة انتقائية ممن لا يملكون الحماية الكافية أما العدالة الشامله لا تزال رهينة توازناتٍ دولية لا ترحم .
وهكذا، فإن الحدث ـ رغم ضجيجه الإعلامي ـ يكشف حقيقةً واحدة لا لبس فيها: أن سوريا الجديدة ما زالت عالقة بين إرث الماضي وثقل الحاضر، تبحث عن استقلالٍ سياسي لم يتحقق بعد، وعن عدالةٍ مؤجلة لا يملك أحد حتى الآن مفاتيحها.
