على بُعد ساعات قليلة من افتتاح الملك المغربي محمد السادس للدورة الخريفية للبرلمان، يترقب عدد كبير من المغاربة ويتساءلون حول فحوى الخطاب المهم، ومع تزامن هذه المناسبة السياسية البارزة مع تنامي احتجاجات “الجيل زد”، يتوقع كثيرون أن يشير الملك إلى الشباب المحتج في كلمته يوم غد الجمعة.
وتشهد مدن المملكة مساء هذا اليوم عودة الاحتجاجات للشارع، بعد توقف مؤقت دام ليومين، مع توقعات بانضمام فئات أخرى للوقفات الاحتجاجية ضد الحكومة الحالية، فيما الحركة التي تقود الحراك أعلنت عدم تنظيم الوقفات يوم غد الجمعة، احتراما للخطاب الملكي.
يُعدّ الاهتمام السياسي في أوساط الشباب المغربي أمرا لافتا في الظرفية الحالية، وقد شكّل الخروج إلى الشارع وطريقة صياغة المطالب الاجتماعية والسياسية، والتعبير الصريح عنها، مفاجأة في الأوساط الأكاديمية والسياسية بالمغرب، ويرى عدد من الأكاديميين والمتابعين أن حركة “GenZ” أبانت عن وعي سياسي مُلفت، واهتمام وذكاء في التعاطي مع المؤسسات الدستورية في البلاد المعنية بتحقيق مطالبهم.
سياق زمني مُساعد في التواصل وانتشار الوعي
في هذا السياق، تقول الأكاديمية وأستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط رقية أشمال أن “حركة “جيل زد” مشابهة لغيرها من الحركات المنتمية للجيل الرقمي، من حيث تأثرها بسياق يوفر إمكانات تواصلية واسعة ومرنة”، مشيرة إلى أن هذا السياق “يسمح بالاستثمار في عنصر الزمن عبر آنية التواصل، إلى جانب مجانية الرسائل وانسيابيتها، ما يمنح الشباب قدرة على التحرك السريع ونقل المضامين بسير وسلاسة”.

وأضافت أشمال في تصريح للوكالة العربية الإفريقية للأنباء أن ذات السياق الرقمي يُفسّر “استفادة الشباب المغربي من تراكم تجارب تعاطي المغاربة مع ظاهرة الاحتجاج كآلية للضغط على صناع القرار لبناء السياسات العمومية وتجويدها بطرق حضارية واهتمامهم بالفعل السياسي”، مُلفتة في ذات الوقت إلى “ضعف تعاطيهم مع الشأن الانتخابي ووعيهم بالإشكالات والأعطاب الحقيقية التي تعيق مسار التنمية بالمغرب وأيضا قدرتهم في ترتيب المطالب الاجتماعية” .
حركة “GENZ” هي امتداد للحركات الاجتماعية
سبقت حركة “GenZ” عشرات من الحركات الاحتجاجية في المغرب على مرّ العقود الماضية، وطبعت اسمها في ذاكرة المغرب الحديث والمُعاصر، لعلّ آخرها حركة “20 فبراير 2011” التي تزامنت مع أحداث “الربيع العربي”، وإثر ذلك، يمتلك الشارع المغربي زخما تراكميا في الاحتجاج السلمي كلّما أحسّ بالخطر على مصالحه الاجتماعية المشروعة.
واعتبرت أستاذة العلوم السياسية أن “الدينامية الجيلية اتسمت بالسلمية معبرة عن وعي ونضج كبيرين للشباب المغرب في تأطير هاته الاحتجاجات بعدد من المدن المغربية”، وعلى الرغم من أنها “انعطفت أحيانا إلى منزلقات متسمة بعدم القدرة في التحكم في مآلاتها المطبوعة بأعمال العنف والشغب جعلت الشارع المتضامن معها يدين محاولات السطو على السلمية”، ترى ذات المتحدثة أن ” كل ذلك يفسر السقف الذي حددّته هاته الحركة في بداية رسائلها، وهو سقف معقول لإقرار فعلية الحقوق الاجتماعية لاسيما التعليم والصحة مع تخليق الحياة العامة من خلال محاربة الفساد، وهو امتداد لباقي الحركات الاجتماعية التي عرفها المغرب”.
محدودية سقف المطالب واغتراب عن المعرفة السياسية
بالنسبة لرقية أشمال فإن “مطالب الحراك محدودة في السقف الاجتماعي، غير متجاوزة اياه للمطالب السياسية التي كانت حاضرة في شعارات باقي الاحتجاجات التي عرفها المغرب”، وتؤكد في حديثها أنّه “يُسجل لأول مرّة توجه دينامية اجتماعية بالمطالب مباشرة الى المؤسسة الملكية في تحييد تام لمؤسسات الوساطة لفقدانهم الثقة بها”، في إشارة منها إلى “ذكاء تحرك وتكتيك هاته الدينامية في تصنيف أولوية فعلية الحقوق ذات الصلة بالتعليم والصحة مع تخليق الحياة العامة” .
“اليوم نحن أمام جيل جديد ساهمت التقنية في بلورة وعيه وإنضاج معرفته بانفتاحه على تجارب العالم”، تقول الفاعلة الأكاديمية أشمال، وفي الوقت، تؤكد أن “التقنية عمقت اغتراب هذا الجيل عن المعرفة السياسية بالقواعد الدستورية وغيرها من المعارف”، مشدّدة على ضرورة “إعادة النظر في مضامين المناهج التربوية واعادة الاعتبار لمادة التربية على المواطنة والسلوك المدني بدء من السلك الابتدائي”.

- ما المُتوقّع في خطاب افتتاح البرلمان؟
تُشكّل مناسبة افتتاح البرلمان في المغرب، حدثا سياسيا بارزا، يُوجه فيه الملك عادة كلمة للنواب الذين يمثلون الشعب المُصوِّت عليهم، تتضمن توجيهات مباشرة ورسائل واضحة من قبيل ضرورة العمل الجاد وتحمل المسؤولية، وتشريع القوانين بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن، ويُعدّ هذا الخطاب مرجعا أساسيا ينطلق من خلاله الدخول السياسي في البلاد، وتُبرمج جداول أعمال البرلمان التشريعية وفقه.
في تقدير الأكاديمية رقية أشمال، فإن “الزمن السياسي للدورة التشريعية يعيش على إيقاع محدد ومقيد بضوابط تشريعية تفرض عليه مناقشة وعرض على التصويت الميزانية العامة للدولة”، إضافة إلى “توجيهات الخطاب الملكي لعيد العرش الذي قيد انتاج منظومة تشريعية جديدة متعلقة بانتخابات 2026 قبل نهاية سنة 2025”.
ووفق هذا التقدير، ترى أشمال أنّ “هنالك صعوبة في تضمين جدول أعمال مجلس النواب بغرفتيه ما يمكن إثقال أجندته بمشاريع قوانين جديدة”، لكنّه بحسبها يطرح بشدة “إمكانية تعجيل الانتخابات التشريعية”.
وبخصوص توقعّاتها للخطاب الملكي ليوم غد، أجابت ذات المتحدثة بأن “الخطابات الملكية السابقة لافتتاح الدورات التشريعية شكّلت دوما فرصة لتوجيه النخب السياسية المنتخبة ودعوتهم لتسريع أثر العمل لتحقيق العدالة المجالية وتحقيق التنمية”، مضيفة أنّه “تم ربط ذلك فيما من مناسبة بضرورة إدماج الشباب واشراكهم”، مُتوقّعة في ذات اللحظة أن “يسير الخطاب الملكي في هذا المنحى، وهو تنبيه المنتخبين لتحمل أمانة مسؤوليتهم مع مقترح لتوسيع مسالك المشاركة المواطنة للشباب”.
