د. محمد سليمان فايد: بين خضرة استوائية ومياه زرقاء تحيط بها من كل جانب، تقبع جزيرة أنوبون الصغيرة، آخر أطراف دولة غينيا الاستوائية، على بُعد مئات الكيلومترات من البر الرئيسي، لكن خلف جمالها الطبيعي، يعيش نحو خمسة آلاف نسمة في عزلة قسرية، محاصرين بالفقر والحرمان والتهميش، في واحدة من أكثر الصور القاسية للتناقض بين الثروة الوطنية والفقر المحلي.

تقع أنوبون في أقصى الجنوب الغربي من البلاد، داخل المحيط الأطلسي الجنوبي الشرقي، على مسافة تقارب 350 كيلومترًا من البر الرئيسي وأكثر من 600 كيلومتر من العاصمة مالابو. تبلغ مساحتها 17 كيلومترًا مربعًا فقط، وهي أصغر جزر غينيا الاستوائية وأكثرها عزلة، ما جعلها إداريًا تابعة لمقاطعة تحمل اسمها، لكنها فعليًا شبه منقطعة عن محيطها الوطني.د، السكان هنا يتحدثون لغة محلية مميزة تُعرف بـ”فادا أنوبونية”، وهي مزيج من البرتغالية ولهجات أفريقية، لكن هويتهم الثقافية لم تشفع لهم أمام واقع الحرمان من أبسط حقوق الحياة.
منذ أن اكتشفها البرتغاليون عام 1474 وأطلقوا عليها اسم باغالو، ثم انتقلت لاحقًا إلى السيطرة الإسبانية عام 1778، ظلت الجزيرة مهمشة في ظل الاستعمار،وبعد استقلال غينيا الاستوائية عام 1968، لم يتغير وضعها كثيرًا، بل استمر التهميش بل ربما ازداد عمقًا في ظل الحكم العسكري والسياسي الصارم للرئيس تيودورو أوبيانغ نغيما مباسوغو، الذي يتربع على السلطة منذ عام 1979

رغم أن الجزيرة تتمتع بموقع استراتيجي على مقربة من بعض أغنى مناطق الصيد في الأطلسي، وتحيط بها مياه يُعتقد أنها تحتوي على احتياطيات نفط وغاز، فإن سكانها يعيشون في فقر مدقع، معظمهم يعتمد على الصيد التقليدي أو الزراعة البسيطة لتأمين الغذاء، بينما تغيب الاستثمارات التنموية بشكل كامل، ويشير تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن أكثر من 70% من سكان أنوبون يعيشون تحت خط الفقر، في حين أن دولتهم تُصنَّف بين أغنى دول إفريقيا من حيث دخل الفرد بسبب النفط.
العزلة هي الوجه الأبرز لمأساة أنوبون، فالجزيرة لا يربطها بالبر الرئيسي سوى قارب حكومي واحد يُفترض أن يبحر مرة كل شهرين، لكنه غالبًا ما يُلغى دون إخطار، ما يترك العشرات من السكان عالقين إما على الجزيرة أو في البر.

في إحدى الحوادث، اصطف الأهالي للصعود على متن القارب بعد أن حمّلوا أمتعتهم، بينهم أطفال ونساء، لكنهم مُنعوا من السفر دون سبب، في مشهد يعكس ما يصفه السكان بـ”الاحتقار العرقي والتهميش الممنهج”.
ورغم أن الحكومة أنشأت عام 2013 مطار أنوبون في بلدة سان أنطونيو دي باليه، فإن هذا المشروع لم ينجح في كسر عزلة الجزيرة. المطار، الذي يبلغ طول مدرجه نحو 1200 متر فقط، لا يستوعب سوى الطائرات الصغيرة، فيما تبقى الرحلات نادرة وغير منتظمة، وغالبًا ما تقتصر على الوفود الرسمية أو العاملين في شركات النفط. أما بالنسبة للسكان، فالتكاليف الباهظة للتذاكر، إلى جانب ضعف البنية التحتية والخدمات في المطار، تجعلهم غير قادرين على الاعتماد عليه وسيلة نقل حقيقية. وهكذا، يظل القارب الحكومي، برغم ندرته وتقطّع رحلاته، الخيار الوحيد لمعظم الأهالي، ما يرسّخ عزلتهم بين البحر والسماء في آن واحد.
الفقر لا يقف عند حدود الغذاء والنقل، بل ينسحب على الصحة والتعليم. فالجزيرة لا تضم سوى مركز طبي صغير يفتقر إلى الأدوية والتجهيزات، بينما تنتشر أمراض مثل الملاريا دون رعاية كافية، التعليم كذلك يعاني من مدارس بدائية ومناهج قديمة، ما جعل الأمية منتشرة خصوصًا بين النساء.
إلى جانب معاناة السكان المحليين، تبرز شهادات صادمة للزوار الأجانب، اليوتيوبر الأرجنتيني المعروف باسم “أون توبو بور إل موندو” وصف رحلته إلى أنوبون بأنها “إحدى أسوأ تجارب حياته”، بعدما خضع لتفتيش دقيق صودر خلاله ما سجله من صور ومقاطع فيديو توثق الفقر المنتشر في الجزيرة.

السلطات سمحت له فقط بالاحتفاظ بصور “سطحية”، وحذفت أي مادة تُظهر البؤس. هذه التجربة دفعت منظمة حقوقية دولية تُدعى “طوبولوجيا من أجل العالم” إلى التنديد بما اعتبرته سياسة قمع ورقابة صارمة تمارسها الحكومة ليس فقط على السكان بل أيضًا على الزوار.
ورغم الانتقادات المتكررة التي توجهها منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” للحكومة في مالابو بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، فإن أنوبون لا تزال شبه غائبة عن أجندة الإعلام الدولي، وكأنها بقعة منسية من العالم. بعض الدراسات الصادرة عن مراكز بحثية مثل “معهد ماكس بلانك للدراسات الإفريقية” وجامعة كيب تاون شددت على أن الجزيرة تمثل حالة فريدة من التهميش الجغرافي والسياسي والاقتصادي، تستحق تسليط الضوء عليها كإحدى أقسى مناطق التناقض بين الثروة والحرمان.
هكذا، تبقى أنوبون جنة طبيعية تحيطها المياه الزرقاء وتغطيها الغابات الخضراء، لكنها بالنسبة لسكانها الخمسة آلاف أشبه بسجن مفتوح، لا كهرباء مستقرة، لا مستشفيات مجهزة، لا مدارس حديثة، ولا وسيلة آمنة للانتقال إلى العالم الخارجي. في ظل هذا الواقع، يعيش الأهالي معركة يومية من أجل البقاء، بينما تُستغل ثروات بلادهم بعيدًا عنهم، ليظل السؤال مفتوحًا: إلى متى ستبقى أنوبون منسية على هامش الخرائط والضمير الدولي؟
التقارير الدولية الحديثة تؤكد أن ما تعانيه أنوبون هو انعكاس مباشر لأوضاع غينيا الاستوائية بأكملها. ففي تقرير البنك الدولي لعام 2024، صُنِّفت البلاد بين الأكثر معاناة من انعدام المساواة الاقتصادية على مستوى العالم، حيث يسيطر أقل من 10% من السكان على معظم الثروة النفطية، بينما يعيش ملايين المواطنين تحت خط الفقر. وفي مؤشر مدركات الفساد 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، جاءت غينيا الاستوائية ضمن الدول العشر الأكثر فسادًا عالميًا، نتيجة غياب الشفافية في إدارة الموارد.
أما تقرير العفو الدولية 2025 فقد شدد على أن سكان الجزر النائية، خصوصًا أنوبون، يتعرضون لما سمته بـ”الإقصاء الممنهج”، حيث تغيب الخدمات الأساسية وتُفرض قيود مشددة على حرية التنقل. وبالمثل، وثقت هيومن رايتس ووتش (2024) استمرار عزل الجزيرة عن الإعلام الدولي، مؤكدة أن السلطات تمارس “عزلة قسرية” تجعل أنوبون مثالًا حيًا على التهميش والإهمال في قلب إفريقيا الغنية بالنفط.
المراجع:
البنك الدولي. (2024). غينيا الاستوائية – لمحة عامة.
تقرير منظمة الشفافية الدولية. (2025). مؤشر مدركات الفساد.
منظمة العفو الدولية. (2025). تقرير غينيا الاستوائية السنوي 2025.
هيومن رايتس ووتش. (2024). غينيا الاستوائية: استمرار العزلة وانتهاكات حقوق الإنسان.
معهد ماكس بلانك للدراسات الإفريقية. (2023). الهامشية الجغرافية والسياسية في أنوبون.
جامعة كيب تاون. (2023). دراسات حول التهميش في الجزر الإفريقية.
