د.محمد سليمان: يُعد غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أخطر التحديات التي تواجه القارة الإفريقية في الوقت الراهن، حيث تُظهر التقديرات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن ما بين 2% و5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يُغسل سنويًا، أي ما يعادل 715 مليارًا إلى 1.87 تريليون يورو. هذه الأرقام تعكس حجم الظاهرة التي باتت تمثل شريانًا رئيسيًا للجريمة المنظمة والفساد والإرهاب، وتضع الحكومات الإفريقية أمام تحدٍّ ملحٍّ لتوظيف التكنولوجيا كوسيلة رئيسية في المواجهة.
مؤتمر أديس أبابا: دعوة للتقنيات المبتكرة
في هذا السياق، استضافت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا الاجتماع الخمسين لمجموعة مكافحة غسل الأموال في شرق وجنوب إفريقيا (ESAAMLG)، والتي تضم 21 دولة عضو. وخلال الجلسات، شددت إثيوبيا على أن مواجهة غسل الأموال يجب أن تُصبح أولوية قصوى، مؤكدة على أهمية التقنيات المبتكرة والتعاون الإقليمي لتجاوز الأساليب التقليدية في التعاطي مع هذه الظاهرة. وأوضحت وزيرة شؤون مجلس الوزراء الإثيوبية، ألم صهاي باولوس، أن بلادها وضعت القضية في صميم أجندة الإصلاح الحكومي عبر لجنة وطنية تضم 23 مؤسسة محلية لتنسيق جهود الرقابة والاستخبارات المالية.
الدول الإفريقية في صدارة المواجهة
لم تعد مواجهة غسل الأموال حكرًا على الدول الكبرى، إذ اتخذت عدة دول إفريقية خطوات متقدمة في هذا المجال:
جنوب إفريقيا: بعد توقف التمويل الأميركي لبرامج مكافحة الإيدز، عززت بريتوريا استثماراتها في التكنولوجيا المالية لمكافحة غسل الأموال، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين لرصد التدفقات المالية المعقدة.
نيجيريا: من خلال وحدة الاستخبارات المالية، أطلقت منصات رقمية متطورة للإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، مع تركيز خاص على مراقبة القطاع النفطي والتحويلات الرقمية التي تشكل قنوات رئيسية لغسل الأموال.
كينيا: نظراً لانتشار خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول مثل “M-Pesa”، تبنت نيروبي أنظمة اعرف عميلك (KYC) الرقمية، مما مكنها من تقليص عمليات التلاعب المالي عبر الشركات الصغيرة وتحويلات المغتربين.
المغرب: عززت الرباط تعاونها مع الشركاء الأوروبيين عبر أنظمة إنذار مبكر لرصد التدفقات غير الطبيعية، كما طورت آليات للتحقق من الملكية المستفيدة (UBO) للشركات.
موريشيوس: ورغم مكانتها كمركز مالي إقليمي، استثمرت في منصات رقمية للشفافية المالية لمطابقة معايير مجموعة العمل المالي (FATF) وتفادي وضعها في القوائم الرمادية.
الاتجاهات العالمية وتأثيرها على إفريقيا
تشير تقارير 2025 إلى أن أكثر من 50% من عمليات غسل الأموال عالميًا تتم عبر شركات وهمية معقدة.
حوالي 30% من التدفقات غير المشروعة ترتبط بالعقارات.
العملات المشفرة سجلت ارتفاعًا غير مسبوق كوسيلة لإخفاء الأموال بفضل ميزات إخفاء الهوية.
الولايات المتحدة وحدها فرضت غرامات بقيمة 14 مليار دولار في 2024 ضد مؤسسات مالية متورطة في غسل الأموال.
هذه التطورات تؤكد أن الدول الإفريقية بحاجة ملحّة إلى تعزيز الرقابة الرقمية حتى لا تصبح عرضة للعزلة من النظام المالي العالمي، خصوصًا أن بعض الدول مثل الكونغو الديمقراطية وموزمبيق وغينيا بيساو ما زالت تُصنّف ضمن الدول الأكثر خطورة على مؤشر “بازل” لمخاطر غسل الأموال.
التكنولوجيا كحائط صد
تُظهر التجارب أن التكنولوجيا ليست مجرد وسيلة داعمة، بل أصبحت حائط الصد الأول ضد الجريمة المالية في إفريقيا.
أدوات مثل التحليلات التنبؤية، الذكاء الاصطناعي، والبلوك تشين تمنح الجهات الرقابية القدرة على تعقب الأنماط غير العادية والتدخل المبكر. كما تسهم منصات KYC الرقمية في بناء ثقة أكبر مع المؤسسات الدولية والشركاء التجاريين.
أمام هذه التحديات، تمثل التكنولوجيا اليوم خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لمكافحة غسل الأموال في إفريقيا.
وإذا ما واصلت دول مثل جنوب إفريقيا، نيجيريا، كينيا، المغرب، وإثيوبيا تعزيز بنيتها الرقمية وربطها بشبكات التعاون الإقليمي والدولي، فإن القارة قد تتحول من ساحة محفوفة بالمخاطر إلى نموذج عالمي في الحوكمة المالية ومكافحة التدفقات غير المشروعة.
