اغلبنا في العالم العربي نستمع و نحب ألحان الاخوين عاصي و منصور والتي بمعظمها أدتها فيروز
و لكن للأسف لا يزال انتاجهما المسرحي ,على الرغم من غناه و تنوعه, محصورا ضمن دائرة ضيقة بالمقارنة مع الاغاني و انتشارها الاوسع لبنانيا وعربيا.
لم يسخِّر عاصي و منصور, بصفتهما كاتبين و ملحنين المسرح لخدمة الاغنية و لم يكن الهدف منه فقط إيصال الصوت و اللحن وإنما اتسعت المروحة لتجعل من خشبة المسرح مرآة تعكس الواقع بكل ابعاده و تشعباته السياسية والمجتمعية والانسانية. و بطريقة السهل الممتنع تعادلت كفتي الميزان بعمق المعنى و سهولة إيصاله.
زخر المسرح الرحباني بتنوع الشخصيات حيث أضاف عاصي و منصورعلى العديد منها بعدا روحيا وفلسفيا يتجاوزالصفة التي بنيت عليها هذه الشخصيات في الاساس.
” الحرامي” رأيناه في عدة مسرحيات ، نذكر منها ” بياع الخواتم”، ” ناس من ورق”، ” الليل و القنديل” و ” المحطة “.
في “المحطة” وهي احدى اهم مسرحيات عاصي ومنصور واكثرها عمقا, اقتحمت فيروز رتابة الحياة التي كان يعيشها الناس في المسرحية واشاعت بان التران( القطار) آتٍ و ان سكَّته موجودة تحت حقل البطاطا الذي يملكه المزارع “سعدو”. فقام المسؤلون والتجارو أصحاب المهن باستغلا ل هذه الشائعة وكل على طريقته. حتى ” الحرامي ” الذي يعتاش من سرقة أموال الناس كان أول من استغل هذه الكذبة وادعى بأنه ” قاطع التذاكر” وقام ببيع الناس تذاكر سفر وهمية.
” الحرامي” لم يتخلَّ فعليا عن مهنته وإنما وضعها في إطار مختلف. لبس زي قاطع التذاكر وجعل لنفسه غرفة صغيرة في المكان المزمع لإيهام الناس بحقيقة الامر، فتدفق الحالمون بالسفر امام شباك التذاكر فازدهرت أموره و كثر ماله وهو في إحدى حواراته قال:
” بلا ما روح لعند الناس اسرقهم، خليهم يجوا ينسرقوا عندي”. و لكن ما لبث الامر ان اخذ منحى مختلف.
كسر عاصي ومنصور الصورة النمطية للحرامي الذي يكسب قوت يومه من السرقة بغض النظر عن الأسلوب و الطريقة.
فاذا بنا امام شخصية استثنائية اتخذت من السرقة جسرا للعبور نحو الحلم و المغامرة :
” الحرامي: الحرامي عندو توهج، إنسان التخيل، أنا ما بتخايل حالي اشتغل بعشر ليرات، بدي ألعب مع المجهول”
زوجة سعدو: فإذا توظف
الحرامي :الموظف بيروح عشغلوا من عبكرا، بيعرف حالو راجع عشية. رجعتو ما في الها فرح، الحرامي بيشلح حالو بهالهٌّوة اللي اسمها الليل ، مابيعرف لوين واذا بيرجع… الخطر بكبِّر حجم الشوق.”
هذا الخارج عن القانون القى على تلك الجناية لبوسا شعريا. فالسرقة ليست الا اندفاعا نحو المغامرة وهذا اللعب مع المجهول يشكل عنده حافزا للتمسك بالحياة ووعدا بفرح اكبر وغدٍِ يبشره بمولد جديد. ثارعلى واقع فرضه على نفسه في البداية، ولكن في منتصف الطريق بات تواقا للعودة الى ماكان عليه، فكان ان حرض زوجة سعدو( مالك الارض التي توجد عليها المحطة) لكشف حقيقة الامر امام الناس. نفض عنه غبار رتابة الوظيفة وإن كان وصول المال اليه من خلالها سهلا يسير، مختارا الطريق الوعرة المليئة بالأشواك و لكنها الطريق الاسمى والاقدس والتي توصله لنشوة المغامرة وفرح النجاة وموعد متجدد مع الإثارة.
في “المحطة ” تجاوز الحرامي الخطوط التقليدية التي تشكل شخصيته كانسان وضيع يسرق ليكتسب ، فتبلورت مهنة السرقة لتصبح اسلوب حياة و شغف.
