تعزز الصين حضورها العسكري خارج حدودها، انطلاقًا من قاعدة جيبوتي التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز رئيسية لتحركاتها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وكشفت صور أقمار صناعية تجارية، حللها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 17 سبتمبر 2026، عن تركيب هوائيات جديدة وأنظمة اتصالات عبر الأقمار الصناعية ومجمعين إضافيين داخل القاعدة منذ عام 2024، بما يعزز قدرات الاتصالات وجمع المعلومات ومراقبة النشاط العسكري المحيط بها.
وتكتسب قاعدة جيبوتي أهمية استثنائية لموقعها عند المدخل الغربي للبحر الأحمر وقرب مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية. وتوجد منشآت عسكرية أمريكية وفرنسية وإيطالية ويابانية على مسافات قريبة من القاعدة الصينية، ما يجعلها موقعًا بالغ الأهمية لمتابعة التحركات العسكرية والبحرية في المنطقة.
افتتحت الصين قاعدتها في جيبوتي عام 2017، وكانت مهمتها الأولى دعم عمليات مكافحة القرصنة وحماية السفن التجارية في خليج عدن. لكن طبيعة استخدامها تطورت مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر منذ أواخر 2023، والهجمات على الملاحة، وزيادة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، لتصبح القاعدة جزءًا من قدرة صينية أوسع على العمل في البحار البعيدة وجمع المعلومات المرتبطة بالنشاط العسكري.
ولا تقتصر حسابات بكين على البحر الأحمر، إذ يرتبط الوجود العسكري الصيني بحماية مصالح اقتصادية وتجارية متنامية تمتد عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وتوفر مبادرة الحزام والطريق، التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام 2013، الإطار الأوسع لهذا التحرك، من خلال تأمين طرق التجارة والطاقة والاستثمارات والبنية التحتية الصينية في الخارج.
وتشير العقيدة العسكرية الصينية المعلنة إلى انتقال تدريجي من التركيز على الدفاع الإقليمي إلى تطوير قدرة على حماية المصالح الصينية خارج الحدود. ويشمل ذلك أمن خطوط الملاحة، وتأمين الطاقة، وحماية المواطنين والممتلكات والاستثمارات الصينية، إلى جانب توسيع الخبرات العملياتية للجيش الصيني.
وفي أفريقيا، أخذ التعاون العسكري الصيني أشكالًا متعددة، بينها عمليات حفظ السلام ومكافحة القرصنة والتدريبات المشتركة ومبيعات الأسلحة وبرامج التدريب وزيارات السفن الحربية وتوسيع شبكة الملحقين العسكريين. وتشارك الصين في 12 بعثة لحفظ السلام، بينها بعثات في مالي والكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى والسودان وجنوب السودان وغينيا بيساو والصومال، كما أنشأت قوة استعداد وتدخل سريع قوامها 8 آلاف فرد، إلى جانب فريق شرطة دائم يضم 300 عنصر لمهام حفظ السلام الأممية.
كما استخدمت البحرية الصينية خليج عدن لاكتساب خبرة مستمرة في العمليات بعيدة المدى. وأجرت تدريبات بحرية مع دول أفريقية، بينها الكاميرون والجابون وغانا ونيجيريا، بينما شاركت جنوب أفريقيا في تدريبات بحرية مع الصين وروسيا، منها مناورات جرت في المحيط الهندي قبالة ديربان عام 2019، وأخرى ثلاثية عام 2023.
ويأتي ذلك بالتوازي مع توسع التعاون السياسي والاقتصادي عبر منتدى التعاون الصيني الأفريقي «فوكاك»، الذي تأسس عام 2000 وأصبح الإطار المؤسسي للعلاقات بين بكين والدول الأفريقية. وفي قمة بكين عام 2006 تعهدت الصين بتقديم 5 مليارات دولار في صورة قروض وائتمان ودعم مشروعات البنية التحتية والمناطق الاقتصادية الخاصة. كما شاركت 50 دولة أفريقية في القمة التي استضافتها بكين أخيرًا، في مؤشر على اتساع شبكة العلاقات الصينية في القارة.
وتسعى بكين إلى توسيع شبكة منشآتها اللوجستية والعسكرية خارج جيبوتي، وتُطرح دول أفريقية مثل تنزانيا وكينيا وناميبيا ضمن المواقع المحتملة لتطوير مرافق مستقبلية، فيما يمثل الشرق الأوسط امتدادًا طبيعيًا لحسابات الصين المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية.
لكن التوسع العسكري الصيني يواجه تحديات متعددة، أبرزها حساسية الدول المضيفة تجاه التنافس بين بكين وواشنطن، والضغوط الغربية والعقوبات المحتملة، إضافة إلى الكلفة المالية للحضور العسكري الخارجي والحاجة إلى التكنولوجيا والخبرات المتقدمة.
وبذلك تتحرك الصين في أفريقيا والشرق الأوسط عبر مزيج من القواعد العسكرية المحدودة، والتعاون الأمني، والتدريبات، وحفظ السلام، ومكافحة القرصنة، وحماية خطوط التجارة، في محاولة لبناء قدرة عسكرية خارجية تتناسب مع اتساع مصالحها الاقتصادية، دون التحول حتى الآن إلى شبكة قواعد واسعة على غرار القوى العسكرية الغربية.
