أ.د. ماريز يونس ..أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية..رئيسة الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية

يشكل انتخاب الدكتورة خليدة بوفدش رئيسةً للمجلس الشعبي الوطني محطةً مفصلية في التاريخ السياسي الجزائري، وحدثًا لافتًا في مسار القيادة النسائية في العالم العربي، إذ يكسر أحد أكثر الحواجز رسوخًا في بنية السلطة السياسية، وينقل المرأة من موقع التمثيل داخل المؤسسة التشريعية إلى موقع قيادتها. فالفرق كبير بين وجود النساء نائبات في البرلمان أو وزيرات في السلطة التنفيذية، وبين تولي رئاسة السلطة التشريعية نفسها، بما تمثله من مكانة دستورية ورمزية وسياسية. ويعبر هذا الوصول عن اعتراف سياسي ومجتمعي بأهلية المرأة لقيادة إحدى أهم مؤسسات النظام السياسي، وإدارة النقاشات التشريعية، وتنظيم عمل المجلس، وتمثيل البرلمان داخليًا وخارجيًا. كما يوسع هذا الانتخاب دائرة المواقع التي تستطيع المرأة الوصول إليها، ويؤكد أن المشاركة السياسية تكتسب معناها الكامل حين تتجاوز الحضور العددي إلى تحمل مسؤولية القيادة والتأثير في عمل المؤسسات.
فمنذ بداية تشكل الدولة الوطنية الحديثة، ارتبطت المواقع العليا في السلطة بصورة الرجل، فيما حققت المرأة خلال العقود الأخيرة تقدمًا واسعًا في التعليم، والقضاء، والإدارة، والعمل الأكاديمي، والبرلمان، والحكومة، وظل حضورها في قمة المؤسسات الدستورية أبطأ من حضورها في المجالات الأخرى. ولذلك يحمل انتخاب امرأة لرئاسة البرلمان بعدًا ثقافيًا يوازي بعده السياسي، كونه يعيد تشكيل التصورات الاجتماعية حول الأشخاص المؤهلين لقيادة المؤسسات العامة، ويؤسس لفهم جديد يرى في القيادة مسؤولية ترتبط بالكفاءة والخبرة والشرعية. كما تدخل صورة المرأة التي تتولى رئاسة مؤسسة تشريعية إلى المخيال الاجتماعي والسياسي، وتوسع ما تستطيع الفتيات والشابات تصوره بشأن مستقبلهن، وتقدم نموذجًا عامًا يرى في المرأة فاعلًا قادرًا على تمثيل المجتمع وإدارة مؤسسات الدولة. ومن هنا، يصبح الأثر الرمزي للحدث جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف صورة القيادة وموقع المرأة داخل المجال العام.
إلا أن التجربة الجزائرية تمنح هذا الحدث بعدًا تاريخيًا يتجاوز رمزيته المباشرة، ليرتبط بتاريخ طويل من النضال النسوي، وبمسار متصل راكمت خلاله المرأة الجزائرية شرعية وطنية وسياسية ومؤسسية، وجعل وصولها إلى رئاسة المجلس الشعبي الوطني امتدادًا وتتويجًا لهذا التاريخ. فقد تشكل حضور المرأة الجزائرية في المجال العام من خلال المشاركة في المقاومة، وبناء المعرفة، والعمل الوطني، وإدارة المؤسسات، والمساهمة في تطوير الدولة المستقلة. وتأتي اليوم صورة المرأة التي تدير المؤسسة التشريعية لتجسد انتقالًا جديدًا من المشاركة في تحرير الوطن وبناء الدولة إلى قيادة إحدى سلطاتها الدستورية.
وتبدأ أولى حلقات هذا المسار مع المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، حين أصبحت المرأة جزءًا من حركة الدفاع عن المجتمع والأرض والهوية. وتجسد ذلك في شخصية لالة فاطمة نسومر التي تحولت إلى رمز للمقاومة الوطنية، وقدمت نموذجًا مبكرًا للمرأة القادرة على القيادة في لحظة مفصلية من تاريخ الجزائر. فقد ارتبط اسمها بتنظيم المقاومة، وحشد المجتمع، ومواجهة الاحتلال، وأصبحت سيرتها جزءًا من الذاكرة الوطنية التي احتفت بدور المرأة في الدفاع عن البلاد. واستمر حضورها مصدر إلهام للأجيال التي حملت مشروع التحرير خلال القرن العشرين، ورسخ فكرة الدفاع عن الوطن باعتباره مسؤولية يتقاسمها الرجال والنساء، وأن المرأة تمتلك القدرة على قيادة الفعل الوطني حين تفرض اللحظة التاريخية مسؤولياتها الكبرى.
ثم أتت ثورة التحرير الجزائرية لتمنح هذا الحضور مدى أوسع وأكثر تنظيمًا. فقد شاركت آلاف النساء في مختلف مستويات العمل الثوري، من القتال والعمل الفدائي إلى التمريض، ونقل السلاح، وجمع المعلومات، والإسناد اللوجستي، والإيواء، والتموين، والعمل السياسي والإعلامي. وتحولت أسماء تاريخية مثل جميلة بوحيرد، وزهرة ظريف بيطاط، وجميلة بوعزة، وحسيبة بن بوعلي إلى رموز وطنية جسدت انتقال المرأة من موقع المساندة إلى موقع الفاعل في صناعة الاستقلال. ومن خلال هذه التجربة، اكتسبت المرأة الجزائرية شرعية وطنية راسخة ارتبطت بإسهامها المباشر في تحرير البلاد، وشكلت لاحقًا أحد الأسس التي قام عليها حضورها داخل مؤسسات الدولة. كما جعلت الثورة من مشاركة المرأة جزءًا من السردية الوطنية، وربطت مكانتها السياسية والاجتماعية بالفعل الذي أسهم في تأسيس الجمهورية الجزائرية المستقلة.
ومع الاستقلال، برزت الحركة النسوية الجزائرية بوصفها امتدادًا للنضال الوطني، إذ انطلقت من قناعة بأن التحرير السياسي يكتمل بتوسيع الحقوق المدنية والاجتماعية، وترسيخ المساواة في المجال العام. ومن أوائل الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذا المسار السيدة عائشة أمرابط، التي تعد من الرائدات في العمل النسوي الجزائري بعد الاستقلال، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة داخل العمل الجمعوي والدفاع عن حقها في التعليم والمشاركة العامة. ولم ينحصر النضال النسوي في المطالبة بزيادة تمثيل المرأة داخل مؤسسات الدولة، بل انصرف إلى قضايا قانونية واجتماعية شكلت محورًا للنقاش الوطني لعقود. فقد تحول قانون الأسرة الصادر سنة 1984 إلى إحدى أبرز ساحات الحوار والنقد، لما أثاره من نقاشات تتعلق بمكانة المرأة داخل الأسرة والمجتمع. ثم استمرت جهود الحركة النسوية والجمعيات المدنية والحقوقية للمطالبة بمراجعته، إلى جانب المطالبة بإصلاح قانون الجنسية وتعزيز الحقوق القانونية للمرأة. وأثمر هذا المسار تعديلات مهمة أُقرت سنة 2005، عكست أثر سنوات طويلة من الحوار، والمرافعة، والعمل المدني.
وبالتوازي مع النضال الحقوقي، تشكل مسار آخر أسهم في ترسيخ مكانة المرأة الجزائرية، تمثل في بناء النخب العلمية والثقافية. فقد أسهمت أحلام مستغانمي في نقل التجربة الجزائرية إلى الفضاء الثقافي العربي، وجعلت من الرواية فضاءً لإعادة قراءة الذاكرة الوطنية وتحولات المجتمع، فيما رسخت آسيا جبار مكانتها بوصفها واحدة من أبرز الكاتبات والمفكرات الجزائريات، وعضوًا في الأكاديمية الفرنسية، وقدمت إسهامات رائدة في الأدب ودراسات الهوية والذاكرة. وعلى المستوى العلمي العالمي، برزت الدكتورة نسيمة بلقايد بوصفها واحدة من أهم الباحثات الجزائريات في علوم المناعة، بعد أن حققت حضورًا متميزًا في مؤسسات البحث العلمي الدولية، وحصدت تقديرًا عالميًا عن إسهاماتها العلمية. وتعكس هذه النماذج انتقال المرأة الجزائرية من إثبات قدرتها على التعلم إلى الإسهام في إنتاج المعرفة على المستويين الوطني والعالمي.
ويكتمل البعد الرمزي لهذا المسار حين نلاحظ أن أول رائدة جزائرية في الطب كانت امرأة، وأن تتولى اليوم طبيبة أخرى، هي الدكتورة خليدة بوفدش، رئاسة المجلس الشعبي الوطني. وكأن التاريخ يربط بين ريادتين نسائيتين؛ الأولى جعلت من العلم أداة لبناء الإنسان، والثانية تتولى قيادة إحدى أهم مؤسسات الدولة من خلال العمل التشريعي. وبين هاتين المحطتين تمتد مسيرة المرأة الجزائرية من إنتاج المعرفة إلى المشاركة في صناعة القرار، في امتداد يعكس تطور مكانتها داخل المجتمع والدولة.
وأثمرت هذه المسارات المتوازية، توسعًا تدريجيًا في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة الجزائرية. فقد تولت مسؤوليات وزارية، وأكاديمية، وإدارية، وبرلمانية، وأسهمت في إدارة قطاعات التعليم، والثقافة، والقضاء، والإدارة العامة. وتمثل تجارب زهور ونيسي، أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في الجزائر المستقلة، وزهرة ظريف بيطاط التي واصلت حضورها السياسي بعد الثورة، ولويزة حنون التي برزت في الحياة الحزبية والسياسية، ونورية بن غبريط التي قادت إصلاحات تربوية مهمة، نماذج لمسار مؤسساتي طويل انتقلت خلاله المرأة من المشاركة في بناء الدولة إلى المشاركة في قيادتها. وبهذا التراكم، أصبح وصول امرأة إلى رئاسة المجلس الشعبي الوطني امتدادًا طبيعيًا لمسيرة طويلة من الحضور العلمي والثقافي والسياسي والمؤسسي.
بالمقابل، تبقى التحديات البنيوية قائمة إلى جانب التثمين الذي يستحقه انتخاب الدكتورة خليدة بوفدش. فهذا الموقع، مهما علت مكانته، يحتاج إلى بيئة سياسية ومؤسسية تحول أثره الرمزي إلى فرص فعلية للنساء. وقد يبقى الأثر محصورًا في الصورة حين تستمر الأحزاب في تقييد وصول النساء إلى مواقع الترشيح والقيادة، أو حين يظل تمثيلهن محدودًا داخل المجالس المنتخبة، والإدارات المحلية، والهيئات العليا. كما قد يستخدم الاحتفاء بالمرأة الأولى لتحسين صورة النظام السياسي وإظهار تقدمه، فيما تواصل نساء كثيرات مواجهة الحواجز داخل الأحزاب، والمؤسسات، وسوق العمل. ولذلك ترتبط قيمة الحدث بقدرته على فتح مسارات جديدة، وتعزيز مشاركة النساء، وتغيير القواعد التي تنظم الوصول إلى مواقع السلطة وصنع القرار.
ومن هنا، يقاس الأثر الحقيقي لانتخاب بوفدش بثلاثة تحولات مترابطة: توسيع ترشيح النساء داخل الأحزاب، وزيادة حضورهن في اللجان والقيادات البرلمانية، وفتح مسارات دائمة لوصولهن إلى الإدارة العليا والمؤسسات الدستورية. كما يرتبط نجاح التجربة بقدرة رئيسة المجلس على إدارة التعدد، وتنظيم النقاش التشريعي، وتعزيز الوظيفة الرقابية، وتطوير علاقة البرلمان بالمجتمع والمواطنين. فرئيسة المجلس تتولى مسؤولية مؤسسة تمثل الجزائريين جميعًا، ويقاس أداؤها وفق معايير الكفاءة، والشرعية، والقدرة على القيادة. وعندما يصبح انتخاب امرأة لرئاسة البرلمان احتمالًا طبيعيًا يتكرر كلما توافرت الكفاءة والثقة السياسية، تتحول السابقة الفردية إلى ثقافة مؤسسية، ويتحول الأثر الرمزي إلى قواعد، وفرص، وممارسات راسخة داخل الدولة.
وأخيرًا، يختصر انتخاب الدكتورة خليدة بوفدش مسارًا تاريخيًا امتد من المقاومة الوطنية إلى بناء الدولة، ومن النضال بالسلاح إلى النضال بالعلم، ومن المطالبة بالمشاركة السياسية إلى قيادة المؤسسات. ويؤكد هذا المسار أن التحولات الكبرى تصنعها التراكمات التاريخية والاجتماعية التي توسع مفهوم المواطنة، وتعزز الكفاءة، وتجعل القيادة السياسية مجالًا مفتوحًا أمام أبناء الوطن وبناته. وتتحقق القيمة الأعمق للحدث حين يفتح الباب أمام نساء أخريات، ويشجع الأحزاب والمؤسسات على تطوير آليات المشاركة والترشيح والقيادة. وعندئذ يصبح انتخاب امرأة لرئاسة البرلمان أكثر من سابقة تاريخية. ويتحول إلى مسار مؤسسي مستقر، وإلى ثقافة سياسية ترى في المرأة شريكًا كاملًا في تمثيل المجتمع وإدارة الدولة وصناعة القرار.
