د.محمد سليمان فايد: أطاح حكم قضائي نهائي أدان وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية، بعد ثبوت نقل أجزاء من كتاب للكاتبة سهير عبد الحميد، بمسيرتها الوزارية، لتتقدم باستقالتها إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الذي قبلها وكلف وزير التعليم العالي الدكتور عبدالعزيز قنصوة بتسيير أعمال وزارة الثقافة لحين تعيين وزير جديد.
وتحولت القضية من نزاع قضائي حول حقوق المؤلف إلى حدث سياسي وقانوني بارز، أعاد تسليط الضوء على أهمية حماية الملكية الفكرية في مصر، ومدى التزام الدولة بتنفيذ الأحكام القضائية بعد استنفاد جميع درجات التقاضي، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لحماية الإبداع وتشجيع الإنتاج الثقافي والمعرفي.
وأكدت جيهان زكي، في بيان، احترامها الكامل لأحكام القضاء المصري، موضحة أن استقالتها جاءت “لرفع الحرج عن الحكومة”، مع تمسكها بحقها في استكمال الإجراءات القانونية التي يتيحها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر، مشددة على أن ممارسة الحقوق القانونية لا تتعارض مع احترام الأحكام القضائية.
قضية بدأت بكتاب وانتهت بحكم نهائي
تعود جذور القضية إلى دعوى أقامتها الكاتبة والروائية سهير عبد الحميد، اتهمت فيها الوزيرة بنقل أجزاء من كتابها البحثي “اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر” في كتاب ألفته جيهان زكي بعنوان “كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين” والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
وأكدت المدعية أن أجزاء كبيرة من مؤلفها نُقلت بصورة مباشرة، معتبرة أن إدراج اسمها ضمن قائمة المراجع لا يمنح الحق في نقل فقرات كاملة من العمل الأصلي.
واعتمدت المحكمة الاقتصادية في حكمها على تقرير لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، انتهت إلى وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة تجاوزت حدود الاقتباس المباح قانونًا، وهو ما اعتبرته المحكمة اعتداءً على الحقوق الأدبية والمادية للمؤلف.
ورفضت محكمة النقض الطعنين اللذين تقدمت بهما الوزيرة، ليصبح الحكم نهائيًا وباتًا، متضمنًا إلزامها بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه لصالح الكاتبة، مع سحب الكتاب من الأسواق ومنع تداوله وإعدام النسخ المخالفة.
قانون يحمي الإبداع
تعيد هذه القضية تسليط الضوء على أهمية قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، الذي يمثل الإطار التشريعي المنظم لحماية حقوق المؤلفين والمخترعين وأصحاب العلامات التجارية والابتكارات.
ويهدف القانون إلى صون الإنتاج الفكري ومنع الاستيلاء على أعمال الغير دون إذن، باعتبار أن حماية الإبداع تشكل أحد أهم ركائز التنمية الثقافية والاقتصادية، كما تسهم في تشجيع البحث العلمي والاستثمار في الصناعات الإبداعية.
وينص القانون على عقوبات تشمل الحبس لمدة قد تصل إلى ستة أشهر والغرامة، مع تشديد العقوبة في حال العود، إلى جانب منح القضاء صلاحيات بإزالة آثار المخالفة، مثل وقف تداول المصنفات أو سحبها من الأسواق، والحكم بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بصاحب الحق.
رسائل تتجاوز الواقعة
ويرى مراقبون أن القضية تحمل دلالات تتجاوز أطرافها، إذ تعكس استقلال القضاء المصري في التعامل مع قضايا الملكية الفكرية، كما تؤكد أن تولي المناصب العامة لا يحول دون تنفيذ الأحكام القضائية بعد استنفاد درجات التقاضي.
كما تبرز الواقعة أهمية الالتزام بقواعد الاقتباس العلمي والتوثيق الأكاديمي، إذ يفرق القانون بين الاقتباس المشروع الذي يخدم البحث العلمي، وبين النقل المطول الذي يمس جوهر العمل الأصلي ويعد اعتداءً على حقوق مؤلفه.
وباستقالة وزيرة الثقافة، تفتح القضية نقاشًا أوسع حول ترسيخ ثقافة احترام الملكية الفكرية، باعتبارها ضمانة أساسية لحماية المبدعين، وتعزيز بيئة الإنتاج الثقافي والمعرفي، وترسيخ سيادة القانون في التعامل مع قضايا الحقوق الفكرية، مهما كانت المناصب التي يشغلها أطرافها.
