محمد محمود شحادة: شكّل الإعلان عن اتفاق الإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في 27 حزيران 2026 تحولًا سياسيًا مهمًا في مقاربة الصراع بين لبنان والكيان، إلا أن أهمية الاتفاق لا تمنع إخضاعه لمعيار المشروعية الدولية ولا سيما مدى انسجامه مع قرارات مجلس الأمن التي ما زالت تشكل المرجعية القانونية الناظمة للعلاقة بين الدولتين.
تكمن الإشكالية الأساسية في أن الاتفاق لا ينص على انسحاب إسرائيلي كامل وفوري من الأراضي اللبنانية وإنما يربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بتنفيذ سلسلة من الشروط المسبقة، أبرزها نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة والتحقق من ذلك من قبل إسرائيل نفسها، وانتشار الجيش اللبناني ضمن ما يسمى المناطق التجريبية وتقاس نتيجة التجربة وفق الرأي الإسرائيلي أي الخصم والحكم، وهكذا يصبح الانسحاب الإسرائيلي نتيجة لاحقة لتنفيذ هذه الشروط بدا ان يكون الزاماً فورياً دون قيد او شرط و التزامًا مستقلاً بذاته.
هنا يبرز التعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 425 الذي طالب إسرائيل عام 1978 بالانسحاب الفوري وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية، وأكد احترام سيادة لبنان كافة مساحته البالغة ١٠٤٥٢ كم وسلامة أراضيه من الاعتداءات و التوغلات العدائية، وبالإضافة الى استقلاله السياسي، دون أن يجعل هذا الانسحاب والأمن و السلامة والسيادة مشروطة و رهينة لأي ترتيبات أمنية داخلية أو شروط تتعلق بأداء الدولة اللبنانية ميلاً أو بوجود مقاومة مسلحة.
ثم جاء قرار مجلس الأمن رقم 1701 ليعيد التأكيد على المبدأ نفسه بعد حرب تموز 2006، فنص على إلزام إسرائيل وبقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأزرق مباشرة ، بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الجنوب، صحيح أن القرار دعا أيضًا إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية وعدم وجود أسلحة خارج إطارها، إلا أنه لم يمنح إسرائيل لا حرية الحركة و لا حق البقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى حين اقتناعها بتنفيذ هذه الالتزامات، ولم يجعل انتهاء احتلالها لبعض المناطق مشروطًا بالتحقق من نزع سلاح طرف لبناني.
بالتالي فإن الاتفاق الإطاري بصيغته الحالية، ينقل الانسحاب الإسرائيلي من كونه التزامًا قانونيًا مستقلاً مصدره قرارات مجلس الأمن، إلى كونه التزامًا تعاقديًا معلقًا على شروط أمنية وسياسية متدرجة.،وهذا التحول لا ينسجم مع فلسفة القرارين 425 و1701، اللذين يفصلان بين واجب إسرائيل بالانسحاب وبين مسؤولية الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على أراضيها.
وتزداد الإشكالية القانونية بالنظر إلى المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقرر أولوية الالتزامات الناشئة عن الميثاق على أي التزامات واردة في اتفاقات دولية أخرى، وبما أن قرارات مجلس الأمن الملزمة تستمد قوتها من الميثاق فإن أي اتفاق ثنائي أو ثلاثي لا يستطيع تعديل مضمونها أو استبدالها أو تعليق تنفيذها ما لم يصدر قرار جديد عن مجلس الأمن ينسخ السابق ويقر تلك التعديلات صراحة.
كما أن إنشاء مناطق تجريبية وربط إعادة انتشار القوات الإسرائيلية بنجاح عمليات التحقق من نزع السلاح يمنح إسرائيل عمليًا إمكانية استمرار وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية إلى أجل غير محدد زمنياً بقدر ما هو محدد مزاجياً اذا صح التعبير فهو محدد تبعًا لمدى تحقق الشروط الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق الذي تقيمه إسرائيل أي الاحتلال ذاته هو الحكم، هذا يختلف جوهريًا عن المنطق الذي اعتمدته قرارات مجلس الأمن والتي اعتبرت أن إنهاء الاحتلال هو نقطة الانطلاق لترسيخ الاستقرار لا النتيجة النهائية لمفاوضات أمنية طويلة.
ولا يغيّر من هذا التقييم إعلان إسرائيل في الاتفاق أنها لا تطالب بأراضٍ لبنانية، لأن عدم وجود مطالبة إقليمية لا ينفي أن استمرار الوجود العسكري يبقى خاضعًا لأحكام القانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، وليس فقط لما تتفق عليه الأطراف في اتفاق سياسي.
قد يجادل مؤيدو الاتفاق بأنه لا يتعارض مع القرارين 425 و1701، بل يضع آلية تنفيذ مرحلية لهما تراعي الاعتبارات الأمنية للطرفين، غير أن هذا التفسير يبقى محل نقاش، لأن نص الاتفاق يجعل الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بتحقق شروط لاحقة، بينما لم تنص القرارات الدولية على هذا الربط.
لذلك، فإن الإشكالية الأساسية ليست في السعي إلى السلام المزعوم، وهو هدف قد يتفق مع القانون الدولي، وإنما في الوسيلة القانونية المعتمدة لتحقيقه، فإذا كان تنفيذ السلام يؤدي إلى إعادة صياغة الالتزامات التي قررها مجلس الأمن فإن المرجع المختص بإجراء هذا التعديل هو مجلس الأمن نفسه، وليس اتفاقًا ثنائيًا أو ثلاثياً.
من هنا نرى ان اتفاق واشنطن بصيغته الحالية ومن دون غطاء قانوني جديد من مجلس الأمن يبقى متعارضاً للاتقرارات الدولية ويعتبر غير نافذ لسمو القرارات الدولية على الاتفاقيات الثنائية او المتعددة الأطراف، فبروز الانتقادات القانونية الجدية بسبب تعارض أحكامه مع الإطار الملزم للانسحاب الفوري دون قيد او شرط ووقف الأعمال العدائية الذين أرساهم القراران 425 و1701.