محمد محمود شحادة

منذ اواخر ثمانينيات القرن العشرين انفرد كل من جنوب لبنان وقطاع غزة كساحتي اشتباك دائم بين إسرائيل وحركات المقاومة المسلحة ذات الدمغة المعروفة بالإسلام السياسي، وقد بقي الاحتلال الإسرائيلي لهاتين المنطقتين مرتبطاً دائماً بالسياق الدولي والإقليمي ليس فقط بالتوازن العسكري المحلي رغم احتلالها للجولان و الضفة الغربية الا انهما خضعتا لتسويات جانبية،، فإسرائيل بالاساس لم تدخل جنوب لبنان وغزة بمعزل عن المناخ الدولي، كما أنها لم تنسحب منهما بفعل العامل العسكري وحده، بل نتيجة تغيرات بنيوية في النظام العالمي والإقليمي واليوم بعد عودة الاحتلال إلى غزة بعد 2023 وعودة إسرائيل إلى أجزاء من جنوب لبنان في 2026 والتوسع داخل الجنوب السوري، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة تاريخية جديدة مع انفلاش الاحتلال تختلف جذرياً عن مرحلة الانسحابات التي شهدها مطلع القرن الحادي والعشرين.
في مرحلة الاحتلال السابقة أي منذ اجتياح جنوب لبنان عام 1978 ثم اتباعه باجتياح 1982 وصولاً للانسحب منه عام 2000، وكذلك منذ احتلال غزة والضفة عام 1967 وحتى الانسحاب منها عام 2005، كانت البيئة الدولية مختلفة تماماً، فقد كان العالم يعيش تداعيات الذروة للحرب الباردة، ثم مرحلة الانتقال نحو الأحادية القطبية الأميركية أي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، في تلك المرحلة كانت الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل قاعدة عسكرية استراتيجية متقدمة في مواجهة النفوذ السوفياتي المتحالفة مع الحركات القومية العربية واليسارية، أما إقليمياً، فكانت المنطقة تعيش انقسامات حادة: الحرب العراقية الإيرانية من جهة، و انكسار الصراع العربي الإسرائيلي بعد كامب ديفيد ثم حرب الخليج الثانية، كل ذلك وفر لإسرائيل هامشاً واسعاً لإدارة احتلال طويل نسبياً دون ضغط دولي فعلي.
لكن مع نهاية التسعينيات ومطلع القرن الواحد والعشرين انطلقت الاستراتيجية الشرق أوسطية من الانكماش الإسرائيلي مع تشعب القوى التحريرية الإسلامية و بدأت البيئة الدولية تتغير و كانت الولايات المتحدة تعمل على إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد اتفاق أوسلو و إسرائيل تواجه استنزافاً متصاعداً في جنوب لبنان وغزة. في تلك المرحلة، ظهرت قناعة أميركية وإسرائيلية بأن الاحتلال المباشر بات مكلفاً أكثر من اللازم، وأن نموذج الإدارة عن بعد مرحلياً أقل تكلفة وأكثر فعالية خدمة لمرحلة أخرى، لذلك جاء الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم الانسحاب من غزة عام 2005، ضمن رؤية استراتيجية جديدة تقوم على تقليل الاحتكاك المباشر كمرحلة حالية وابراز الإسلاميين في الحكم ثم العودة في الوقت المناسب وليس من باب إنهاء الصراع.
فالانسحاب من جنوب لبنان لم يكن فقط نتيجة عمليات المقاومة التي قادها حزب الله، فالعمليات كانت موجعة نعم واجبرت الاحتلال على الخروج لكن ليس لتجنب الصراع نهائياً بقدر ما هو تأجيله لاعادة تموضع استراتيجي، وإسرائيل تعلم بالمخطط الأميركي القادم للمنطقة من خلال اعلان الحرب على الإرهاب المتمثل بالاسلاميين، الذي سمح الانسحاب الإسرائيلي لاستحكامهم في غزة و لبنان بفضل الانسحاب منهما،
فالحدث المفصلي الذي أعاد تشكيل المنطقة كان هجمات 11 أيلول 2001 وإعلان الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب بتحالف دولي هنا بدأ التحول الكبير في وظيفة الحركات الإسلامية داخل الاستراتيجية الدولية، فبعد أن كانت بعض الحركات الإسلامية تُستخدم أحياناً كأدوات توازن ضد الاتحاد السوفياتي أو الأنظمة القومية مثلاً كما مصر، أصبحت تُصنف بعد ١١ ايلول باعتبارها ارهاباً و تهديداً أمنياً غير حكومي وغير دوالتي وعابر للحدود.
المفارقة أن الحرب على الإرهاب التي انطلقت في أفغانستان لم تؤدِ إلى إنهاء الإسلام السياسي، بل إلى توظيفه داخل صراعات مذهبية وطائفية في مناطقه المحلية، فالغزو الأميركي للعراق عام 2003 أدى إلى تفكيك الدولة العراقية من جهة وانشاء متطرفين مثل تنظيم القاعدة في بلاد الشام والعراق وبالمقابل جيش المهدي وعليه فتح الباب أمام صراع سني ـ شيعي واسع، ثم جاءت الحرب السورية في 2011 ليدخل بها حزب الله و حماس ضمن فريقين متصارعين مع النظام و داعش والنصرة ، لتتحول إلى أكبر ساحة استنزاف إقليمي للمحور الإيراني وللحركات الإسلامية المسلحة بمختلف اتجاهاتها، وكان لبنان واليمن ليسا بمنأى عن الصراعات والاغتيالات والانقسامات المذهبية.
في تلك المرحلة، بدا المشهد وكأن الأولوية الأميركية لم تعد المواجهة المباشرة مع إسرائيل، بل حصر المقاومة بالاسلاميين وتصنيف الإسلاميين الى إرهاب وعليه تصنيف المقاومة الى إرهاب، وعليه إدارة الفوضى الإقليمية ومنع تشكل قوة إقليمية موحدة واحدة من الأولويات ، تراجع التركيز هنا على القضية الفلسطينية و جرى استنزاف الحركات المسلحة في حروب داخلية طويلة مع قلب مفاهيم القتال وتغيير مفهوم العدو في الإسلام، وقد استفادت إسرائيل من هذا المناخ إذ تحولت من محتل مباشر إلى لاعب إقليمي يراقب انهيار خصومه من الداخل ويتجهز لساعة الصفر لعودة الاحتلال مع الاستحداث التكنولوجي والسيبراني بالامن والعسكر.
ما بعد 2023 حصل هذا التحول الجدي وكان شديد الخطورة، يقال وقع الفأس بالرأس، فعملية 7 أكتوبر كانت من اخطر العمليات العسكرية بتاريخ الصراع مع إسرائيل لكن العالم نظر اليها على أنها عملية إرهابية من الإسلاميين فحسب ضد الشعب الإسرائيلي وفق تعبيرهم، فما تلاها من حرب شاملة على غزة اعاد إنتاج فكرة الاحتلال المباشر والأحزمة الأمنية، ثم جاءت حرب 2026 استمراراً لحرب 2024 في لبنان لتعيد إسرائيل إلى أجزاء من الجنوب اللبناني بالعنوان الدولي ذاته الحرب على الإرهاب، هذا بالتوازي مع تمدد أمني وعسكري داخل الجنوب السوري في ظل ايضاً نظام إسلامي سوري حديث.
هذا يعني أن إسرائيل انتقلت من عقيدة الانسحاب وإدارة التهديد عن بعد إلى عقيدة إعادة تشكيل المجال الأمني الإقليمي بالقوة المباشرة من باب المشاركة بالحملة الدولية بالحرب على الإرهاب.
هنا نرى تغيرات دولية وإقليمية ترافق عودة مناخ الاحتلال الإسرائيلي لغزة و لبنان وسوريا، ابرزها:
- التطور التخصيب النووي الإيراني ووصوله لحد المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت الذي كل قوى المقاومة هي من الإسلاميين المدعومين مباشرة من النظام الإيراني، فهنا توازت مرحلة الاحتلالات الجديدة لإسرائيل مع القرار الأمريكي بالحرب على ايران والقضاء عليها،
- اليوم يتراجع النظام الأحادي القطبي الأميركي عالمياً مع الصعود الصيني والروسي، وفي مثل هذه المراحل الانتقالية، تتوسع القوى الإقليمية بالقوة العسكرية لفرض وقائع جديدة قبل تشكل التوازنات المقبلة.
- اندلاع الحرب الأوكرانية ثم التوتر حول تايوان أدى إلى تفكك أولويات النظام الدولي، أصبحت الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى تفويض إسرائيل أمنياً في الشرق الأوسط، طالما أن ذلك لا يستدعي تدخلاً أميركياً مباشراً واسعاً.
- تطور العقيدة الأمنية الإسرائيلية مع نتنياهو والحكومة اليمينية سيما بعد 2023 و استغلال طفرة التفوق التكنولوجي و السيبراني سيما AI قبل التحاق العالم الثالث بمناخه، و فكرة تنفيذ مخطط إسرائيل الكبرى نحو اعتبار أن أي قوة مسلحة عقائدية على حدودها تمثل تهديداً وجودياً لا يمكن احتواؤه بالردع فقط لذلك عادت حجة المناطق العازلة، والاحتلال المؤقت الطويل، والسيطرة النارية المباشرة.
السؤال هل ضاع مستقبل القضية الفلسطينية؟ وحركات المقاومة المعترف بها في القانون الدولي؟ وما شكل الدولة في لبنان وسوريا وغزة والضفة وحل الدولتين؟ كلها ملفات مترابطة ضمن إعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط، وما يجري اليوم قد لا يكون مجرد جولة عسكرية جديدة بل بداية مرحلة تاريخية مختلفة تعيد تعريف مفهوم الأمن والسيادة والحدود في المنطقة بأسرها وتعيد خلط اتفاقية سايكس بيكو.
