“يدين وزراء خارجية مصر ، و السعودية، و قطر، والأردن ،و تركيا، و باكستان ، و إندونيسيا، و جيبوتي، والصومال ، ودولة فلسطين، وسلطنة عمان، و السودان، و اليمن، ولبنان ، وموريتانيا، و الكويت، و الجزائر ،و بنجلاديش ،والغرب، بأشد العبارات الخطوة غير القانونية والمرفوضة المتمثلة في إقدام ما يُسمى إقليم أرض الصومال على افتتاح “سفارة” مزعومة له في مدينة القدس المحتلة”.
بهذه الصيغة الواضحة والحاسمة، جاء البيان العربي والإسلامي المشترك الرافض لمحاولة ما يسمى “إقليم أرض الصومال” افتتاح ممثلية له في القدس المحتلة، في خطوة اعتبرتها الدول الموقعة انتهاكًا للقانون الدولي واعتداءً مباشرًا على الوضع القانوني والتاريخي لمدينة القدس، إلى جانب كونه مساسًا بوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية.
لكن، وفي كل مرة تصدر فيها بيانات إدانة عربية وإسلامية ضد التحركات الإسرائيلية داخل القارة الإفريقية، يتجدد السؤال نفسه: هل تكفي البيانات وحدها لوقف مشروع يتقدم بخطوات عملية على الأرض؟ فالقضية هنا لا تتعلق بخطوة بروتوكولية عابرة، بل بمحاولة سياسية تحمل أبعادًا خطيرة تمس الأمن القومي العربي ووحدة الدولة الصومالية.
ما يعرف بـ”أرض الصومال” هو إقليم يقع شمال الصومال أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991 بعد انهيار الدولة المركزية، لكنه لم يحصل حتى اليوم على اعتراف دولي كدولة مستقلة، فيما تؤكد الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية الاعتراف الكامل بسيادة ووحدة جمهورية الصومال الفيدرالية. ورغم ذلك، استطاع الإقليم خلال العقود الماضية بناء مؤسسات محلية وإقامة علاقات غير رسمية مع بعض القوى الدولية والإقليمية، مستفيدًا من حالة الضعف والانقسام التي عاشتها الصومال لسنوات طويلة.
الخطير في التحرك الأخير ليس فقط محاولة افتتاح “سفارة” في القدس المحتلة، وإنما التوقيت والدلالات السياسية.. فإسرائيل تدرك أن اللعب على التناقضات والانقسامات داخل الدول الإفريقية يمنحها أوراق ضغط جديدة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي منطقة شديدة الحساسية للأمن القومي العربي، خاصة بالنسبة لمصر ودول الخليج. فالصومال يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بالقرب من باب المندب، وأي اختراق سياسي أو أمني هناك ينعكس مباشرة على الملاحة الدولية وأمن المنطقة بأكملها.
ومنذ سنوات، تعمل إسرائيل على توسيع نفوذها داخل إفريقيا عبر بوابات متعددة، منها التعاون الأمني والعسكري، والاستثمارات، وتقديم الدعم التقني والزراعي، لكنها في الوقت نفسه تستثمر في الأزمات الداخلية والنزاعات الحدودية والانقسامات العرقية والسياسية. ولهذا تبدو العلاقة مع بعض الكيانات الانفصالية أو المناطق المضطربة جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى خلق مناطق نفوذ جديدة تحاصر العمق العربي من الجنوب.
الموقف المصري في هذا الملف يبدو واضحًا وثابتًا؛ فالقاهرة تؤكد دائمًا دعم وحدة الأراضي الصومالية ورفض أي محاولات للتقسيم أو فرض واقع جديد بالقوة أو عبر الاعترافات السياسية المشبوهة. وتدرك مصر أن استقرار الصومال ليس قضية إفريقية بعيدة، بل جزء من معادلة أمن البحر الأحمر والأمن القومي العربي، خصوصًا في ظل تصاعد التنافس الدولي والإقليمي في القرن الإفريقي.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تكفي بيانات الشجب والإدانة؟ الواقع يقول إن البيانات، رغم أهميتها السياسية والدبلوماسية، لم تعد وحدها كافية أمام تحركات تُدار بخطط طويلة المدى ومصالح استراتيجية معقدة. المطلوب اليوم ليس فقط إعلان الرفض، بل التحرك العربي والإسلامي الفعلي داخل إفريقيا، عبر دعم الدولة الصومالية اقتصاديًا وأمنيًا، وتعزيز الحضور العربي في القارة، ومواجهة محاولات الاختراق السياسي التي تستغل هشاشة بعض الدول.
فالفراغ دائمًا يُملأ، وإذا غاب الدور العربي الحقيقي، ستواصل قوى أخرى رسم خرائط النفوذ الجديدة، ولو كان الثمن تفتيت الدول العربية والإفريقية وإشعال المزيد من الصراعات في المنطقة.
