في الطائرة من إسطنبول إلى بيروت، لم تكن المسافة بين المدينتين هي ما يشغلني بقدر ما كانت المسافة التي فتحتها في داخلي الأسئلة التي حملتها معي من ذلك اللقاء الفكري الطويل مع زملاء من مختلف أنحاء العالم العربي. كان سؤال واحد يتكرر بصيغ متعددة قبل المصافحة وبعدها، وفي الممرات وبين الجلسات، وكأنه يسبق التعارف نفسه: ماذا يحدث لكم في لبنان؟ كيف يمكن لشعب يعيش حربًا بهذا العنف أن يتحدث بهذه اللغة القاسية عن نفسه؟ كيف تتحول الوطنية إلى مادة خصام في لحظة يحتاج فيها المجتمع إلى أعلى درجات التماسك؟
كان وقع هذه الأسئلة ثقيلاً لأنها لم تعبر عن استغراب عابر، بقدر ما عكست صورة استقرت في أذهان كثيرين من زملائي في العالم العربي عن مجتمع يعيش انقسامًا في لحظة خطر وجودي، صورة تبرز انشغال اللبنانيين بصراعاتهم الداخلية بدل أن يلتقوا حول حماية الناس واحتضانهم وتخفيف معاناتهم اليومية كأولوية وطنية. كانت هذه الصورة مؤلمة لأنها تختزل لبنان في مشهد ضجيج سياسي يتقدم على مشهد الألم الجماعي، بينما الوطنية في زمن الحرب تتجسد أولاً في الانحياز إلى معاناة الشعب وتعزيز اللحمة الاجتماعية، وفي تحويل الخطر المشترك إلى مساحة تضامن لا إلى مساحة تنازع.
كنت أعرف في داخلي أن هذه الصورة لا تختصر حقيقة المجتمع اللبناني ولا تروي قصته الطويلة مع التضامن في أوقات الأزمات، ومع ذلك شعرت أن الكلمات التي حاولت أن أشرح بها هذه الحقيقة خلال اللقاء لم تكن كافية لتبديل الانطباع الذي استقر في أذهان من كانوا يسألونني. فالصورة التي تنتقل عبر الشاشات والمنصات قادرة على ترسيخ انطباعات واسعة يصعب على صوت فردي واحد أن يغيرها مهما حاول أن يشرح أو يفسر أو يدافع.
كنت في طريقي إلى بيروت، للمشاركة في حلقة تلفزيونية دعاني الإعلامي سامي كليب للمشاركة فيها، وقد خصصها للنقاش حول تجربة النزوح الداخلي تحت عنوان «نازحو لبنان بين التجربة والصمود: ما العمل؟»، وكانت تُبث مباشرة من مدرسة في بلدة الدكوانة (التي تمثل أغلبية مسيحية)، وتستضيف عائلات نازحة من الجنوب والضاحية والبقاع. وما إن وصلت من المطار مباشرة إلى المدرسة حتى تبدلت الصورة أمامي بصورة كاملة. هناك، داخل هذا الفضاء الذي جمع النازحين مع المجتمع المضيف، ورئيس وأعضاء بلدية الدكوانة وخلية الأزمة والدفاع المدني والصليب الأحمر والجمعيات الأهلية وعددًا من النواب وممثلي التيارات السياسية والمثقفين والأكاديميين، وجدت نفسي أمام مشهد اجتماعي حي أعاد إلي صورة لبنان الحقيقية التي أعرفها وأعرف تاريخها مع التضامن في أصعب الحروب التي مر بها.
خلال ساعتين من النقاش والبث المباشر شعرت بأن هذا المشهد يجيب عن الأسئلة التي حملتها معي من زملائي من العالم العربي في إسطنبول أكثر مما استطاعت كلماتي أن تفعله هناك. بدا واضحًا أن ما يجري في هذه المدرسة لا يعبر عن مبادرة استضافة عابرة، بقدر ما جسد تجربة اجتماعية متكاملة تجتمع فيها أصوات النازحين مع أصوات المجتمع المحلي والبلديات والجمعيات والمؤسسات المدنية ضمن مساحة نقاش مشتركة تنطلق من الاعتراف بمعاناة الناس وتبحث في كيفية إدارة هذه المرحلة الصعبة بصورة جماعية مسؤولة. في تلك اللحظة تحديدًا وجدت نفسي أراسل زملائي وأدعوهم لمشاهدة الحلقة حيث تكمن الإجابة عن أسئلتهم، وحيث تتجسد صورة لبنان التي تستحق أن تُرى وأن تُنقل كما هي، صورة مجتمع يفتح مدارسه لاستقبال أهله، ويجلس فيه المجتمع المحلي مع النازحين حول طاولة واحدة للبحث في كيفية مواجهة المرحلة، ويستطيع أن يجمع ممثلي مكوناته السياسية والمدنية والأكاديمية في مساحة حوار واحدة تنطلق من أولوية حماية الناس وتعزيز التماسك الاجتماعي.
هذا المشهد لم يأتِ استثناءً معزولًا، إنما جاء تعبيرًا عن واقع اجتماعي يتكرر في مدارس كثيرة وفي بلدات كثيرة وفي مبادرات استضافة واسعة شهدها لبنان في هذه الحرب كما شهدها في حروب سابقة. فقد ظهر بوضوح أن المجتمع اللبناني ما زال يمتلك طاقة تضامن واسعة تتجلى في الممارسات اليومية التي يقوم بها الناس والمؤسسات المحلية، وأن ما يجري على الأرض أكثر ثراءً وتعقيدًا من الصورة التي تختزل البلد في مشهد انقسام سياسي حاد.
هناك في مدرسة الدكوانة كان النقاش هادئًا، رصينًا، حقيقيًا، وإنسانيًا، بعيدًا عن ضجيج اللغة السياسية الحادة وغير المجدية في تلك اللحظة الثقيلة من المصاب الأليم الذي يواجهه لبنان. كان نقاشًا مفتوحًا يمثل الجميع ويعترف بالجميع، ويؤكد في كل صوت، وفي كل صرخة أطلقها الحاضرون، أن الشعور بالخطر المشترك الناتج عن العدوان الهمجي والممنهج، لا يلغي إمكانات اللقاء الموحد بين جميع الأطراف. وأن الانحياز إلى حماية الناس يشكل نقطة تقاطع تسمح بإعادة التفكير بالأولويات الوطنية، بحيث يتقدم سؤال الاستقرار الاجتماعي على كثير من السجالات السياسية اليومية. وقد ترافق الاعتراف بمعاناة النازحين مع إدراك واضح للضغوط التي تتحملها المجتمعات المضيفة، وهو إدراك يفتح المجال أمام مقاربة أكثر توازنًا لمسألة النزوح الداخلي باعتبارها قضية وطنية مشتركة تحتاج إلى إدارة جماعية مسؤولة.
هذه التجربة أعادت طرح سؤال الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام اللبناني في هذه المرحلة، لأن المشهد الذي عكسه اللقاء في مدرسة الدكوانة يقدم نموذجًا عمليًا لمساحة حوار وطني قابلة للتوسع إذا جرى تعميمها ضمن برامج إعلامية تتوجه إلى المجتمع كله وتمنح الأولوية لإبراز المبادرات الاجتماعية التي تعبر عن قدرة اللبنانيين على مواجهة آثار الحرب عبر أشكال متعددة من التضامن والتعاون المحلي. فالإعلام في زمن الحرب يشارك بصورة مباشرة في تشكيل صورة المجتمع عن نفسه وصورة البلد في الخارج، وهو ما يجعل خياراته جزءًا من معركة حماية الاستقرار الاجتماعي بقدر ما هي جزء من النقاش السياسي العام.
إن تحويل النقاش اللبناني اليوم إلى مساحة لقاء تجمع ممثلي البلديات والجمعيات والنازحين والمثقفين والسياسيين ضمن إطار واحد يتيح إنتاج خطاب وطني أكثر توازنًا يعكس تنوع المجتمع اللبناني بدل اختزاله في ثنائيات سياسية حادة، كما يساهم في إعادة توجيه الاهتمام نحو القضايا التي تمس حياة الناس اليومية وتؤثر مباشرة في قدرتهم على الصمود خلال الحرب. وقد أظهرت هذه التجربة أن المجتمعات المحلية قادرة على إنتاج هذا النوع من الحوار حين تتوافر لها المساحة الإعلامية المناسبة، وهو ما يفتح المجال أمام التفكير في تحويل هذه المبادرات إلى ورشة وطنية واسعة تعزز مناعة المجتمع في مواجهة مخاطر الانقسام الداخلي.
حين عدت بذاكرتي إلى السؤال الذي طُرح عليّ من زملائي في العالم العربي في إسطنبول، شعرت بمسؤولية كبيرة في نقل هذه الصورة الوطنية والإنسانية التي رأيتها في الدكوانة إلى الفضاء العربي الأوسع، لأن المجتمع الذي يلتقي حول معاناة الناس ويبحث في سبل إدارتها بصورة جماعية يعكس مستوى عالياً من الوعي الوطني والمسؤولية الاجتماعية، ويقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي تختزل لبنان في مشاهد الانقسام. فلبنان الذي يظهر في هذه المبادرات المحلية هو لبنان القادر على حماية نفسه عبر شبكات التضامن التي ينتجها المجتمع، وهو لبنان الذي يستحق أن تُنقل صورته الحقيقية إلى الخارج بوصفه مجتمعًا يواجه الحرب بالحوار والتعاون والعمل المشترك.
ومن هنا تبرز أهمية تعميم هذه التجارب الإعلامية والمحلية وتحويلها إلى مسار وطني أوسع يسمح بفتح نقاش جامع حول سبل حماية المجتمع خلال الحرب، لأن اللقاء حول طاولة واحدة للبحث في إدارة الأزمة الراهنة يشكل خطوة أساسية نحو بناء توافق اجتماعي يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق نحو توترات داخلية في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلد، ويمنح الإعلام فرصة حقيقية للمساهمة في إعادة التوازن إلى الصورة التي تصل عن لبنان في العالم العربي، والأهم من ذلك، الإسهام في حماية لبنان نفسه عبر تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ أولويات التضامن الوطني في مواجهة آثار الحرب ومخاطر الانقسام الداخلي.
