في خلال مغادرته لُبنان في 2 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، سُئل بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر عن زيارته المُقبلة، فقال:” إنّي شخصيًّا، أحبُّ زيارة الجزائر، لاعود إلى الأماكن التي عاش فيها القدّيس أوغستين”، وقبل لُبنان كان البابا قد زار تركيًّا بما تمثّله من تاريخ وحضارة إسلاميّتين، ليستهلّ اليوم زيارته التاريخيّة فعلاً إلى الجزائر والتي منها يبدأ جولته الإفريقية التي تقوده إلى كلّ من الكاميرون، أنغولا، وغينيا الاستوائيّة.
يكفي في الواقع الاطلاع على تفاصيل جولته الجزائريّة، لنفهم لماذا رفع البابا شعار ” السلام عليكم” عنوانًا لهذه الجولة، حيث أنّه يُريدها استكمالاً لفكرته الداعية الى الحوار بين الأديان والتسامح كمدخلٍ حقيقيّ للسلم العادل اليوم المبني خصوصا على الحوار الحقيقي بين الأديان، وذلك فيما أحفاد الأديان يوسّعون بحارَ الدماء على مستوى العالم. فالزيارة تشمل تبدأ بالمسجد الكبير في العاصمة قبل الكنائس، وهذا ليس تفصيلاً، كما تُستهلّ بزيارة “مقام الشهيد” الذي يُخلّد ذكرى ومجد الثوّار في واحدة من أعظم حروب التحرير في عصرنا الحديث، وهذا أيضًا ليس تفصيلاً فيما يتعمّق الجدل بين وسائل الاعلام الجزائرية والفرنسية حول الزيارة وما سبقها، ويصل الى حد اتهام بعض الصحف الجزائرية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعمّد زيارة الفاتيكان قبل مجيء البابا الى الجزائر بغية التأثير سلبًا عليها.
وإذا كانت العناوين الروحيّة والانسانيّة لهذه الزيارة تحتل صدارة المشهد خصوصًا أنها تأتي تخليدا لروح ذاك القدّيس العظيم أوغستين الذي عاش وعمل وتوفيّ في الجزائر، في وقت يحتاج العالم فعلاً إلى العودة لروح الأديان السماوية وينبذ من يُشوّه مقاصدَها العُليا والأعمق، فإنَّ رسائل السياسة ستكون حاضرة أيضًا، إن لم يكن على نحو مُباشر فمن خلال الرمزية الكبيرة لها، وهذه بعضها:
- أن تبدأ زيارة إفريقيا من الجزائر، فهو أمرٌ يُكرّس دور البلاد في حوار الأديان وهي التي عانت طيلة 10 سنوات من الحرب ذات البُعد الديني في ما عُرف بالعشرية السوداء بعد إلغاء الانتخابات مطلع تسعينيات القرن الماضي والغرق في حرب بين الجيش والجبهة الإسلامية للإنقاذ وما تفرّع عنها. ويكرّس دورها الإفريقي الذي تسعى لتوسيعه منذ سنوات.
- أن تبدأ الزيارة البابويّة من الجزائر، فهذا يفيد بلاد الثورة العظيمة على المستوى الدولي والاقليمي ، بعد أن تدهورت علاقاتُها على نحو مُقلق مع فرنسا، وأصيبت بنكسة دوليّة من خلال قرار مجلس الأمن الدول في أكتوبر من العام الماضي بوضع الصحراء تحت السيادة المغربية.
- الزيارة تأتي في ظل تعميق العلاقات بين الجزائر والولايات المتحدة الأميركية حيث أكدت الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية قبل فترة قصيرة التزامهما المشترك بتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة، وذلك بمناسبة الزيارة التي قام بها المستشار الأعلى للرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والعالم العربي والشرق الأوسط، مسعد بولس. ورغم ان الرئيس دونالد ترامب فرض على الجزائر رسومًا جمركية ( نحو 30%) ورفع قيمة البدل الذي يدفعه الجزائريون للحصول على تأشيرات إلى أميركا، الاّ أنَّ ذلك لم يؤثر على ارتفاع نسبة التبادل الذي يصل الى مشارف ٤ مليار دولار سنويا، كما أنَّ شركة سوناطراك النفطية الجزائرية الشهيرة شاركت في المنتدى الجزائري-الأمريكي للطاقة 2025 في هيوستن، مما عزز الشراكات الاستراتيجية ( وهذا أمرٌ حيوي ترامب الباحث عن النفط أينما كان). ناهيك عن ارتفاع مشتريات الأسلحة والمعدات العسكرية الجزائرية من الولايات المتحدة في ظل تنامي التعاون العسكري.
- زيارة البابا الى الجزائر وتعزيز العلاقات الجزائرية مع الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية (ألمانيا تتقدم كثيرًا)، والصين (التي تعتبر الشريك التجاري الأول للجزائر بما يفوق ١٢ مليار دولار سنويًّا)، خطواتٌ تُعزز الحاضر الدبلوماسي الجزائري، في سياق تنويع العلاقات الجزائريّة الخارجية والخروج من سياق الاحتكارات الفرنسيّة السابقة، وتعزيز الحضور الجزائري في إفريقيا والعالم.
طبعًا البابا لا يأتي إلى الجزائر للحديث بالسياسة، لكن الروحانية والتسامح والحوار في هذه الأيام هي جوهر السياسة، وقد شرعت الجزائر في إجراء تعديلات لافتة في سياستها الخارجية، بحيث تنحو صوب الاعتدال والحوار بدلا من الشعارات والتشدّد، لا بل وتعتبر أنّه حين يصبح للفلسطينيين دولة فلن تكون هناك أيُّ مشكلة حتّى مع إسرائيل. وهذا يقطع مع تاريخ طويل من التشدّد الذي كاد يحصر الجزائر في مجالات ضيّقة ويدفع دولاً عديدة وبينها عربيّة لمحاولة تطويق أي مبادرة جزائرية خصوصًا بعد القمة العربيّة في الجزائر، ومحاولة الرئيس عبد المجيد تبّون نفسه دفع الفصائل الفلسطينية للمصالحة وتوحيد الكلمة.
يبقى أنَّ استعادة الأثر الهائل للقدّيس اوغستين اليوم في أثناء زيارة بابا الفاتيكان، له تأثيره ورمزيتُه البالغتان، فذاك القدّيس الورع، التقي، الإنساني، الروحاني، كان أيضًا صاحب فكر وفلسفة عميقَين، وهو القائل إنَّ الإيمان والعقل لا يتعارضان بل يتكاملان، ورفع عبارته الشهيرة ” آمن كي تفهم”، واعتبر أنَّ الانسان يملك إرادة حُرّة لكنه يحتاج توجيهًا إلهيًّا كي يختار الخير، وهو في طليعة من تحدث عن مفهوم الزمن ووعي الانسان بنفسه ومحيطه وزمنه. وهو بقي اسقف عنّابة من 396 إلى 430ميلاديّة.
لكل هذه الأسباب، وانطلاقًا من أهداف الزيارة، ومن الاستعدادات الكُبرى التي قامت بها الجزائر من إعادة تأهيل الأماكن الأثرية التي عاش وعمل فيها ولأجلها القدّيس أوغستين، وانطلاقًا من الترحيب الكبير الذي يلاقيه البابا بتوصيات خاصة واشراف دقيق من الرئيس تبّون نفسه ، و انطلاقًا من مشهد التسامح والسلام وحوار الأديان الذي تقدّمه الجزائر في هذا الاستقبال والذي يناقض تماما حرائق العالم اليوم، تصبح هذه الزيارة تاريخة ومفصليّة في أبعادها الجزائرية والافريقية لا بل والإنسانية على نحو أشمل.
